الإسم: جاسم الشيراوي
عدد المشاهدات: 29811
عدد المقالات: 3
أخر مشاركة: 19 نوفمبر 2017 - 22:30

اهتمام متصاعد من دول مختلفة حول العالم

الاستثمار في الأمن الغذائي

19 نوفمبر 2017 - 22:30

يُقصد بالأمن الغذائي هو مدى قدرة الدولة على توفير احتياجاتها من الغذاء في مختلف الظروف سواء كانت انتاجا محليا أو مستوردا من الخارج، فالاستثمارات المتاحة في هذا المجال تستحوذ على اهتمام متصاعد من دول مختلفة حول العالم، مدعومة بالتزايد السريع في عدد سكان العالم والحاجة لتوفير الغذاء لهم، فالإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية لها بصمة اقتصادية واجتماعية وبيئية واضحة حيث تمثل نحو 5 تريليونات دولار أي 10% من الإنفاق الاستهلاكي العالمي، بالمقابل فإن قيمة الفجوة الغذائية في العالم العربي حالياً تزيد على 34 مليار دولار، وتشكل الحبوب 50% منها مع توقعات بلوغها 60 ملياراً في العام 2030.
إن الظروف المناخية بدول الخليج لا تمكنها من الاعتماد الذاتي الكلي على توفير الغذاء، وعليه فهي مجبرة على الاستثمار في بلدان غنية بالمياه والمساحات الزراعية التي من شأنها أن تؤمن جزءا من احتياجاتها الغذائية، فالحكومات في بحث دائم عن الفرص المتاحة لرفع قدرات اكتفائها الذاتي من الغذاء وخاصة للسلع الرئيسية، لكن مع الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في هذا المجال لا يزال من الصعب القول أن أي دولة في العالم لديها اكتفاء ذاتي من الغذاء بشكل كلي، فما تم مكن بعض الدول من الحصول على اكتفاء نسبي من بعض السلع.

المقومات والعوامل

وعليه ينظر للتوجه نحو الاستثمار في مشاريع الأمن الغذائي الخارجي خاصة الدول التي تفتقر للمقومات والعوامل التي تتطلبها الأنشطة الزراعية وتربية المواشي، كإحدى السبل المتاحة لتأمين جزء من إحتياجاتها، فهي تساهم في التقليل من كلفة استصلاح الأراضي وتحلية المياه واستخدام الطاقة المدعومة من قبل الحكومات، كما تساهم في بعض الحالات في خفض التكاليف التشغيلية وتأمين الأيدي العاملة وتقليص العمالة الوافدة، فهو يعد حلاً مثالياً لهذه المشكلة التي أصبحت هاجساً للعديد من الدول. 
وتختلف صور الاستثمار الزراعي بالخارج، فمنها ما يتم من خلال شراء حصص في شركات قائمة ومنتجة للسلع الغذائية الأساسية، أو من خلال إبرام عقود شراء طويلة الأجل، أو من خلال الإستثمار المباشر في المشاريع، والتوجه اليها يختلف بحسب مستوى المردود والعائد على رأس المال، فالحاجة إلى تأمين الغذاء دفعت بالعديد من المستثمرين إلى توجيه استثماراتهم نحو الاستثمار في هذا المجال حيث تشير بعض التقارير إلى تجاوز الإستثمارات بهذا القطاع بالعام 2013 مبلغ 100 مليار دولار، كما انها بالمتوسط تعود بعوائد إجمالية أعلى للمستثمريين مقارنة بالقطاعات الاخرى.
كما انها تتطلب تمتع المستثمرين بالخبرة العملية، وفهماً عميقاً للمحاصيل ودراسة الجوانب الجغرافية والبيئية ونوعية المحاصيل والوقت المناسب لزراعتها ليتسنى إختيار المنطقة الأمثل للاستثمار، وكذلك فهم متطلبات سلاسل القيمة المضافة كالبذور ومدخلاتها والإنتاج والتجهيز والتجزئة، فمن السهل مثلاً الإستثمار في مزارع الأرز وإستيراد وتخزين أنواعه المختلفة (الأبيض أو الأسمر) لكن تكلفة تجهيزها تختلف مما ينعكس سلباً على فاتورة الشراء للأفراد من جهة وعلى تكاليف الدعم الحكومي للمنتجات الأساسية بالسوق المحلية من جهة أخرى. 
يواجه المستثمرون بالمشاريع الزراعية والحيوانية تحديات ومعوقات عديدة منها ضعف البنية التحتية في الدول الغنية بالموارد الطبيعية، وهي تعتبر من أهم المعوقات والمشاكل التي تعترض الإستثمار في مشاريع الأمن الغذائي بالخارج، بالاضافة الى تأثير التغير المناخي ومخاطر تقلبات أسعار المحاصيل، وضعف التشريعات الاستثمارية وآليات حماية رؤوس الأموال الأجنبية وملاءمة الأنظمة القضائية وإجراءات حماية رؤوس الأموال، ومستويات القيود المفروضة على حركة الأموال وتكاليف فروقات سعر صرف العملة.

التوتر السياسي

هذا بالإضافة إلى مخاطر حدوث توتر في الأوضاع السياسية مع الدول المستثمر بها مما يرفع من نسبة المخاطر بالاستثمار وقد ينتج عنه تعثر تلك الإستثمارات أو إنخفاض عوائدها، كما أن توافر البنية اللوجستية للتخزين والشحن لها تأثير مباشر على تكلفة السلع بالأسواق وعوائدها، كما أن الإلتزام بقوانين البلد المستثمر فيه يعتبر من أبرز المعوقات التي تعترض الاستثمار الخارجي بشكل عام والأمن الغذائي بشكل خاص، والتي قد تحمل شروطاً مجحفة لرؤوس الأموال في بعض الحالات، كإشتراطات إكتفاء السوق المحليه قبل السماح بالتصدير خاصه لبعض المحاصيل الرئيسية كالقمح مثلاً. تتصدر الدول الآسيوية قائمة اللاعبيين الرئيسيين عالمياً في مجال الأنشطة الزراعية، فالهند تعتبر من أكبر منتجي الأرز فهي تمثل نحو 20٪ من إجمالي الإنتاج العالمي، وتأتي ثانيا من حيث انتاج الحبوب في العالم بعد تايلاند، نظراً لتمتعها بالمساحات الزراعية الشاسعة، وإرتفاع معدلات سقوط الأمطار سنوياً، والتي تجعلها ملائمة مناخياً لإنتاج المحاصيل الزراعية، وهو ما مكنها من إحتلال المرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج القمح بعد الإتحاد الأوروبي والصين حيث تنتج الهند نحو 89 مليون طن متري من القمح. 

الدول العربية

أما بالنسبة للدول العربية فإن المغرب يعد من أهم الدول التي تتوافر بها الموارد الطبيعية المشجعة لإستقطاب الاستثمارات في مجال الأمن الغذائي، لتوافر المياه بنسبة جيدة بها، والوفرة في الأراضي الصالحه للزراعة، وتميزها بوفرة الأسمدة بكميات كبيرة، فهي تعتبر المصدر الأول للفوسفات في العالم مما يجعلها أحد المساهمين الرئيسين في الحفاظ على الأمن الغذائي العالمي. 
كما أن السودان يمتلك المقومات البيئية لإستقطاب الإستثمارات الزراعية والحيوانية، حيث يمتلك نحو 175 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، و 102 مليون رأس من الماشية، وتتمتع بمعدل أمطار سنوي مرتفع يزيد عن 400 مليار متر مكعب، وتساهم الزراعة بـ 48% من الناتج المحلي الإجمالي للسودان، ولعل القرار الأخير المتعلق برفع العقوبات عن السودان ستمكن الحكومة السودانية أخيرا من اللحاق بالنمور الآسيوية في حال ما نجحت في توفير المناخ الاستثماري بها لرؤوس الاموال.
إن النظرة الثاقبة لحكومتنا الرشيدة وإدراكها مبكرا ضرورة تأمين إحتياجات الدولة الأساسية، مكنها من تحقيق إنجازات كبيرة في هذا المجال خلال الأعوام الماضية، منها دخول جهاز قطر للإستثمار في إستثمارات زراعية وحيوانية بالخارج والتوسع بإستثماراته بها، وتوزيعها على مناطق جغرافية مختلفة لضمان التنوع في إستثماراته، وتحقيق الإستدامة في تأمين الأمن الغذائي على الصعيد المحلي والمساهمة بمواجهة تحدياته على الصعيد العالمي، وهو ما نتج عنه توفير السلع الغذائية المهمة بالدولة بالكمية الكافية لجميع المواطنين والمقيمين وهو ما لفت الأنظار خاصة مع فرض الحصار الجائر على الدولة، وسيمكنها من المساهمة في الحفاظ على مستويات الأسعار بالسوق المحلية من خلال التحكم في نسب تغير مستويات العرض والطلب.
فقد استثمرت الدولة في إحدى أكبر المشاريع الزراعية في ولاية نهر النيل بالسودان التي تبلغ مساحتها 265 ألف فدان وفي مجال اللحوم الحمراء والبيضاء، وتدير 13 تجمعاً زراعياً في استراليا، منتجة نحو 250 ألف رأس من الأغنام، ونحو 180 ألف طن من الحبوب، بالإضافة إلى 8 آلاف طن من الأعلاف الخضراء سنوياً، بالإضافة إلى الخضراوات والأرز «بسمتي» والتمور وزيت الزيتون وغيرها من المنتجات عالية الجودة بإستثمارات مختلفة في كل من استراليا وباكستان وعُمان، بالإضافة الى مزارع كبيرة في السوق المحلي تنتج أكثر من 28 نوعاً من الخضراوات واستثمارات في مجال الدواجن والألبان. 

الحكومة القطرية

كما أن الحكومة القطرية تقوم حالياً بتطوير مرافق مُتخصصة لتخزين وتحويل وتكرير وتعبئة أهم السلع الغذائية كالأرز والسكر الخام والزيوت الصالحة للأكل ضمن مرافق مشروع ميناء حمد بتكلفة تتجاوز 1.6 مليار ريال، وذلك للاستخدام المحلي ليكفي إحتياجات ثلاثة ملايين نسمة لمدة عامين، مما يساعد الحكومة على التقليل من حدة تأثير الأزمات الإقتصادية والسياسية، وخلق فرص لإعادة التصدير للأسواق الخارجية، كما سيضم المشروع مرافق تختص بإعادة تكرير البقايا الناتجة عن تجهيز السلع الغذائية وتحويلها إلى أعلاف تلبي إحتياجات الإستثمارات الحيوانية مما يعني قيمة مضافة لهذه الاستثمارات.
فعند النظر بتلك الاستثمارات فهي تفتح العديد من الفرص الاستثمارية الاضافية المكملة لها كالاستثمار في مجال الشحن البحري ومشاريع الإنتاج الصناعي للمحاصيل المستثمر بها داخلياً أو خارجياً، فمثلًا في بعض الفترات أو المواسم يكون سعر بعض المحاصيل الزراعية كالطماطم متدن جدًا، فلو وجدت بعض أوجه إستثمار الإنتاج الصناعي لها فهذا يعني أنه من الممكن تصنيع صلصة الطماطم أو عصير الطماطم مما يعني مكاسب أكبر لسلاسل القيمة المضافة الامر الذي يخدم تلك الاستثمارات ويحقق التكامل التشغيلي ويعظم من العوائد الاستثمارية للدولة.

المرحلة القادمة

المرحلة القادمة تتطلب تأسيس منظومة مستقلة تعمل على تطبيق استراتيجيات القيادة الرشيدة ووضع السياسات الخاصة بالأمن الغذائي على مستوى الدولة، لتتولى الإشراف على إنشاء وإدارة المخزون الاحتياطي مع القطاع الخاص، والتنسيق مع الجهات الحكومية المختلفة على إدراج متطلبات الأمن الغذائي ضمن خطط تطوير البنية التحتية بالدولة، ورفع مساهمة القطاع الغذائي في الناتج المحلي من خلال زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي المحلي، وتحقيق الإكتفاء الذاتي من بعض المنتجات الغذائية من خلال تطبيق أفضل الممارسات الدولية والتنسيق مع صناديق الإستثمار ومستثمرين القطاع الخاص لدعم الإستثمار الداخلي والخارجي، ومناقشة الأنماط الاستثمارية الملائمة لاحتياجات البلاد وتحديد أولوياتها، وتشجيع القطاع الخاص على الإستثمار في مجالات الأمن الغذائي من خلال توفير البيانات التفصيلية عن إحتياجات السوق الغذائية، وكذلك القيام بمتابعة السلع والأصناف الغذائية المدعومة على مستوى الدولة، لتسهم بشكل فاعل في تنمية الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن الغذائي وصولا إلى الأمن الغذائي المستدام بعناصره المتمثلة في الاستيراد والتخزين والانتاج والتوزيع.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق