الإسم: د. عبد الرحيم الهور
عدد المشاهدات: 1162
عدد المقالات: 96
أخر مشاركة: 19 فبراير 2018 - 22:15

شجرة التفاح

12 فبراير 2018 - 22:15

إذا ما طَمَحت إلى غاية ركبت المنى ونسيت الحذر، ولم أتجنب وعور الشعاب ولا كبة اللهب المستعر، من كلمات أبو القاسم الشابي. بين الإصرار والطموح والتحدي وركوب المخاطر وتحمل المحن، تتجلى قيمة الوجود والتميز الإنساني على مر العصور منذ كان الإنسان يخشى النار والمطر حتى طَوَّع الطاقة والحجر، كان دائماً هنالك تحدٍّ كبير وكان دائماً العلم والمعرفة هما مفتاح الانتصار، فمنذ بدء الخليقة عندما طلب الله سبحانه وتعالى من الملائكة أن تسجد لآدم بقوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» صدق الله العظيم، كان الرد بالعلم عند الله وانتفائه عند الملائكة، وكانت هنالك إشارة واضحة بأن هنالك أعمالا أكثر سموا من التسبيح والتقديس وهي إعمار الأرض وكانت الميزة والتفضيل عند سيدنا آدم هي أنه تميز بالعلم والمعرفة عن الملائكة، بقوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"، إذا بالمعرفة والعلم تتمايز المخلوقات وبتمايز درجة المعرفة بين الناس أنفسهم تتمايز درجاتهم وتصنيفاتهم، والتساؤل المشروع هنا هو: هل العلم بالشيء يقود دائماً وقطعا للعمل بمقتضاه؟، فلقد حذّر الله سيدنا آدم من مغبة الاقتراب من الشجرة المحرمة في الجنة، بقوله تعالى: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ" صدق الله العظيم، وعلى الرغم من ذلك أكل منها سيدنا آدم، وتاب الله عليه بعدها أيضاً بمكرمة العلم والمعرفة، بقوله تعالى: «فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" صدق الله العظيم.


إن العلم بالشيء أساس المعرفة والقدرة على التعامل معه وتحقيق الأهداف، أما الإرادة بتنفيذ وتطبيق المعرفة فهي شيء فردي منوط بالإرادة الحرة للإنسان والتي له فيها مطلق التخيير وعليها يأتي مبدأ المحاسبة والتكليف.
إن المقصد من وراء ما سلف أن كل إنسان هو كوّن بعد ذاته وأن الأهداف الجماعية للشعوب والأمم يمكن تحقيقها من خلال توحيد الرؤية وتحديد الأولويات وتمكين العلماء والعارفين وإقصاء السفهة والرويبضة وضبط الموارد ووضع الخطط وتحديد الصلاحيات وآليات التنفيذ وفِي الوقت نفسه تطوير آليات الرقابة الفعالة على الأداء وخلق أنظمة التصحيح الفعالة القائمة على المعرفة، وللتقييم المبدئي أن من يرى تعقيداً في الطرح أو صعوبة في التنفيذ أو خوفا من التغيير، أعود معه إلى بداية الحديث مع أبو القاسم الشابي وفِي نفس قصيدة إرادة الحياة حين قال: ومن لا يهوى صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر،، إنني أعي أني سأبقى أعود دوما لآكل من شجرة التفاح، لأنني أملك الإرادة الحرة مع علمي بحرمتها ولكن سأبقى دائماً أذكر كلمات ربي التي تاب فيها على والدي، أنا الإنسان خليفة الله في الأرض، وإلى أن نلتقي بين الخطيئة والمغفرة وبين العلم والعمل هذه تحية وإلى لقاء.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق