الإسم: نجاة اليافعي
عدد المشاهدات: 3854
عدد المقالات: 13
أخر مشاركة: 03 فبراير 2018 - 22:15

أنا الوطن

03 فبراير 2018 - 22:15

اشتريت منزلاً، وعندما سكنته كان أطفالي صغاراً، وجدت أن نوافذ المنزل بلا حماية، وأبواب البيت من الألمنيوم الخفيف، ومقبض الباب الخارجي سهل وفِي متناول أيدي صغاري. فخفت عليهم وهممت بالبحث عن حدَّاد يصنع لي حديد الحماية على النوافذ لأضمن، بعد حماية الله، ألا يتعرض أحدهم للسقوط منها.

ثم شرعت في تغيير أبواب المنزل ورفعت مقبض الباب الخارجي حتى لا يفتح أطفالي الباب لغريب وأنا بالخارج أو يخرج أحدهم دون علمي فيتعرضون للأذى أيًّا كان نوعه، ثم بدأت بتزيين منزلي فصبغته وأثثته قدر استطاعتي. خلال ما سبق كنت أخرج وأدخل لبيتي وأنظر لمن حولي، وأستغرب كيف لم يزرني أحد غير جارة عجوز تبعد عن بيتي بثلاثة شوارع، ولا أعرف من يجاورني!، فكنت كلما ألتقي بأحد جيراني أقف للتحدث إليهم حتى أنني تحدثت للخدم والسائقين للتعرف عليهم، فهم جزء من جيراني، وكلما سكن أحد بادرت بإرسال الهدية للتعرف عليهم، وحدث أن دعوتهم لنلتقي في بيتي للتعارف لأول مرة، وذهبت للبعض منهن في بيوتهن، حتى لا أعيش في مكان مجهول لا أعرف به من يجاورني.

أمنت نفسي بجيران أخيار من جانبي ومن خلفي، ولله الحمد. فبقيت أتواصل بعلاقاتي الطيبة معهن لسنين، لا أتدخل بهن ولا يتدخلن بي، لكن نُعين ونعاون بعضنا البعض حياءً أو للأجر، كل بنيتها. ثم بدأت أدلع أطفالي فزدت مصروفهم وشددت عليهم في بعض الأمور خوفا عليهم من فسادهم. نعم، هم يحنقون عليَّ أحيانا لكنهم يحبونني، ففي حزني لم يمسح دمعي غيرهم، ولم يقوِ عزيمتي بالخروج مما أنا فيه بعد الله إلا هم، وفي مرضي وجدتهم يتراكضون ليحيطوني برعايتهم ويحاولون رغم صغر سنهم إعانتي، لكني وجدت فيهم من لا يأتي حتى أناديه فهو يرى اهتمام الآخرين بي ويعتقد أنني لا أحتاجه، أو أنه يحتاج أن أدعيه للأمر، أو قد يكون افتقد جزءا من حناني عليه بانشغالي عنه فترة ما، فلم يهتم بمرضي، ولكنني لم أتركه، ظللت ألاحقه وأضمه وأقبله وتقربت إليه حتى شعرت باحتياجه وعرفت ما به، فرجع لحضني سريعاً، واستشعر أهمية وجودي في حياته لأنه والبقية كل حياتي. لكن الهدوء والسعادة لا يكتملان في هذه الحياة، ليظهر من يحاول أن يبعدهم عني ويخرجهم من حضني، غيرة وحقداً وحسداً من حناني عليهم وشفقة بصغاري وتكفلي بهم. فما أسوأ أن تُحارَب الأم في صغارها، وما أبشع محاولة زرع كره الأطفال لأمهم.


مخطئ من ظن أن الأم تكره، وإن حدث فهي ليست بأم ولا تستحق أن تكون أما. فالأم تعاقب أطفالها إن أخطأوا لكنها لا تكرههم أبداً، وهكذا أجد الوطن، لا يختلف عني أنا كأم، فقد احتوتنا كأبنائها وبناتها، أعطتنا وتنتظر منا رد الجميل. وضعت لنا القوانين الداخلية التي تحمينا من أنفسنا وتحمي غيرنا منا، واجتهدت بالعلاقات الخارجية والدبلوماسية التي فتحت للمواطن آفاقا جديدة في التعليم والسفر والتجارة، وأمنت جهازها العسكري داخلياً وخارجيا، اهتمت وأسست البنية التحتية، بنت الجسور والشوارع الحية الجديدة، وأجزلت برفع الرواتب وإعطاء المساكن للمستحقين وتوفير الأرض والقرض، واجتهدت فكسبت الكثير بالمحافل الدولية من أجل رفعتنا جميعاً بين الأمم. ولا يزال هناك قلة حانقون وهم منعمون، أولئك الذين ينتقدون الوطن حباً به فهم يريدون له الأفضل. تُؤذَى (الأم: الوطن) فتترفع عن الخطأ ثم تسعى في الصلح، يحاربونها في أبنائها ويريدون زعزعة أمنها وأمانها وإزعاج شعبها لكنها ماضيةً لا تأبه لقول حاسدٍ ولا لفعل حاقدٍ وسيرد إحسانها لشعبها ولغيرهم بإحسان أكبر منه، إن شاء الله، فقطر تستحق من أبنائها الأفضل دائماً وأبداً.


لا أدري كيف كتبت كل ما سبق؟ وكيف استشعرته، فمن الطبيعي أن يحب الإنسان موطن ولادته ونشأته وإن جارت عليه فهي تبقى حبيبته، ولعلي استشعرت ما أفعله لصغاري بما تفعله قطر لمواطنيها، وأنتظر رد الجميل من صغاري عندما يكبرون وأعجز أنا بالحياة، كما الوطن الذي يحتاج لأبنائه في الضراء كما سعدوا وتنعموا به بالرخاء.
قطر: أمي: ها أنا ذَا قد كبرت
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق