الإسم: د. خالد بن راشد الخاطر
عدد المشاهدات: 35956
عدد المقالات: 2
أخر مشاركة: 16 سبتمبر 2017 - 21:00

الصناديق السيادية الخليجية.. هل هي نعمة أم نقمة؟

الصندوق السيادي القطري يدعم خطط الإنفاق ربع قرن

16 سبتمبر 2017 - 21:00

أول ظهور للصناديق السيادية كان في الكويت في عام 1953، وكان الهدف منها هو حفظ حقوق الأجيال في الثروة النفطية الناضبة. كانت القيادة حينها حكيمة وترى أن هذا الثراء غير طبيعي فوق طاقة البلاد وأكثر مما يحتاج المجتمع حينها وأن الأجيال القادمة لها حق في تلك الثروة الناضبة. وبعد انهيار أسعار النفط في الثمانينات والتسعينات، تطورت فكرة استخدام الصناديق السيادية لتعزيز الاستقرار في الدورة الاقتصادية أو الدورة النفطية (الدورة الاقتصادية عندنا هي الدورة النفطية). واستخدم الصندوق الكويتي بعد الاحتلال العراقي لإعادة بناء الاقتصاد، وربما يستخدم الصندوق السيادي القطري إذا دعت الحاجة خلال الحصار.


وازداد استخدام الصناديق السيادية بشكل كبير خلال دورة الرواج النفطية الأخيرة منذ بداية العقد الماضي حتى انفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم حدث بعد ذلك انفجار في استخدام الصناديق السيادية بعد الأزمة المالية العالمية حتى انهيار أسعار النفط في عام 2014، وازدادت أعدادها وأحجامها بشكل كبير وتعددت الأغراض والأهداف منها لتدخل حيّز استخدام الاقتصاد السياسي الدولي geo-economics. فارتفع عدد الصناديق السيادية من 52 في عام 2007، إلى 82 في عام 2016، وحجمها من 4 تريليونات دولار عام 2008، إلى 7.3 تريليون عام 2016، منها 4.3 تريليون دولار من مداخيل الغاز والنفط، ونصيب دول مجلس التعاون منها هو 2.9 تريليون دولار أو ما يقارب 40%.


والآن بعد ثلاث سنوات من انهيار اسعار النفط هناك عاملان يؤثران على الصناديق: انخفاض أسعار النفط وارتفاع العجوزات في الميزانيات وموازين المدفوعات بما يعني انخفاض التحويل اليها وزيادة السحوبات منها، أضف إلى ذلك أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أزالت ما يقارب 30% من أصول هذه الصناديق.


وتشير التوقعات إلى أن الصناديق السيادية لكل من قطر والكويت والإمارات قد تمتد احتياطياتها لفترة ربع قرن، عند خطط الإنفاق الحالية ومستويات الأسعار المنظوره، في حين ستستنزف بقية دول المجلس احتياطياتها في غضون 5 سنوات، وتشير بعض الدراسات إلى أن المملكة العربية السعودية ستستنزف احتياطياتها من الصرف الأجنبي بحلول 2020، إذا استمرت بنفس وتيرة الإنفاق التي شهدتها خلال الفترة 2016-2015، أي هذا قبل زيارة ترامب للمنطقة والصفقات التي حصل عليها، و قبل اشتداد الحرب في اليمن.


الأهداف

توزيع الثروة خلال الأجيال وعبر الأجيال (أي حفظ حقوق الأجيال في الثروة النفطية الناضبة) ومن أمثلة توزيع الثروة المباشر خلال الأجيال هو ما تقوم بها ولاية ألاسكا ومقاطعة ألبرتا في كندا إذ يرسل شيك لكل مواطن عبر البريد مع نهاية السنة يقال له هذا نصيبك من استثمارات الثروة النفطية، وأيضا من طرق توزيعها غير المباشرة هو الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.


كما تستخدم في إدارة الدورة الاقتصادية وتعزيز الاستقرار ومواجهة الأزمات ونقل التكنولوجيا وتنويع الاقتصادات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية (دول شرق آسيا) وخلق وظائف من خلال الاستثمار في مشاريع داخلية.
كما تشمل أهداف الصناديق تنويع الدخل وتركيم الثروة (الصندوق النرويجي) وتركيم الاحتياطيات لأغراض دعم سعر الصرف غير المرن، كتجربة دول شرق آسيا، والتي ما تزال تعاني من عقدة ازمة انهيار اسعار صرفها خلال ازمة شرق آسيا المالية في أواخر التسعينات وراكمت احتياطيات ضخمة بسبب ذلك وهذا من مساوئ سعر الصرف الثابت، اذ يكون عرضة للمضاربات اثناء الازمات الاقتصادية والسياسية كما تستخدم لاهداف الاقتصاد السياسي الدولي للتأثير في سياسات الدول وكسب تأييدها، كاستثمارات الصين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.


كما تشير بعض التقارير إلى أن المشتري المحتمل لحصة أرامكو السعودية هو الصين، التي تعتبر أكبر مستورد للنفط في العالم، وشراؤها لحصص أرامكو سيتيح لها الاطلاع على معلومات مهمة عن النفط السعودي وتكاليف وخطط الإنتاج وربما يتيح لها أيضا المشاركة في اتخاذ قرارات مهمة.


هل هي نعمة أم نقمة؟

هي نعمة إذا أديرت بكفاءة عالية وتخطيط جيد واستثمارات سليمة، وشفافية ورقابة وتقييم للسياسات والنتائج ومحاسبة.
وهي نقمة اذا كانت صناديق سوداء مغلقة، لا يعلم ما يدخل اليها وما يخرج منها و لا الى أين، اي فاقدة للشفافية والرقابة والمحاسبة، غير واضحة الملكية والادارة والمسؤوليات ولا تحقق أهدافها المفترضة أو تعاني من سوء الإدارة أو عدم الاستغلال الأمثل للموارد الناضبة أو تبذيرها والإسراف أو إذا استخدمت كأدوات للفساد و نهب المال العام حتى اذا جاءت الحاجة اليها فإذا هي خاوية على عروشها، مفلسة أو منهوبة، أو أبعد من ذلك اذا استخدمت سياسيا لقمع الشعوب وتكريس الاستبداد والدكتاتوريات ودعم الانقلابات العسكرية والتآمر على الشعوب وإعاقة التطور الديمقراطي. 


ويعد الصندوق النرويجي الأكثر شفافية حول العالم اذ لا يخرج دولار واحد منه لدعم الميزانية (وليس لجهة غير معلومة) إلا بإذن البرلمان ، في حين تعد الصناديق الخليجية من الأقل شفافية حول العالم.
في هذا السياق، هل ممكن أن تثير الثروات الكبيرة التي تحتويها الصناديق السيادية أطماعا خارجية، وهل هناك علاقة بين الوفرة المالية التي تمثلها الصناديق الخليجية والمنهج الجديد للسياسة الامريكية في المنطقة؟.


لا أحب أن أربط هذا الموضوع بالصناديق السيادية الآن، فهذه سياسة قديمة ولكنها تأتي بثوب جديد كل مرة (قائمة على نهب خيرات ومقدرات الشعوب). من الممكن أن يثير دخول الصناديق السيادية القوي في الاستثمارات الاستراتيجية في الغرب الانتباه والمخاوف وهذا حدث بعد الأزمة المالية العالمية في فترة ضعف تلك الاقتصادات وهم لن يسمحوا أن يتعدى ذلك حدودا معينة كما حدث في الماضي، بحجج أنها قد تستخدم لاهداف استراتيجية لزعزعة الاستقرار المالي وتهديد الأمن القومي لهذه الدول، مع أنها أدت الى عكس ذلك حيث حفزت الاستثمارات والاستقرار ودعمت تلك الاقتصادات في فترات الركود، وبالتالي هذا الافتراض غير مبرر ومستبعد في حالة دول مجلس التعاون، ومن الأمثلة التي تضرب على ذلك الهجوم المنظم على الجنيه الاسترليني وغيره من عملات في نظام سعر الصرف الأوروبي في أوائل التسعينات، كما أننا نذكر الامتناع عن إتمام صفقة موانئ دبي في أمريكا وكان ذلك لأسباب سياسية، وكذلك حادثة استثمار الكويت في شركة النفط البريطانية.


الأطماع الخارجية موجودة

بغض النظر عن وجود الصناديق السيادية من عدمه، هم لن يتركوا هذه الثروات حتى بدون صناديق سيادية. فلو نلاحظ انه بعد كل طفرة نفطية يتم فيها تركيم بعض الثروات، اما ان تفتعل أزمات او حروب يتم من خلالها استنزاف ثروات المنطقة خصوصا من خلال التسلّح. حصل ذلك في الحرب العراقية الإيرانية، وبعد احتلال الكويت وحرب تحريرها، استنزفت خيرات المنطقةً بعد طفرة النفط الأولى.


والآن ايضا نفس الشيء، خيرات المنطقة ومدخرات الأجيال من الثروة النفطية تتبدد في حروب وصراعات داخلية ودعم انقلابات عسكرية وتكريس أنظمة دكتاتورية . ونحن أكبر منفق على التسلّح في العالم وفي نفس الوقت نحن من أكثر الدول حاجات لدفاع الأجنبي عنا. فهذه الأسلحة يبدو انها لا تفيدنا في الدفاع ضد العدو الخارجي، الا اذا استخدمت في الحروب الداخليةً بيننا أو لقمع الشعوب وحركات التحرر الديمقراطي، وحتى لو لم يكن هناك حروب، فهناك طرق أخرى لاستنزاف الثروات في أوقات السلم.


كان صندوق النقد الدولي، على سبيل المثال، يرسل لنا مسؤولين في دول المجلس يحثنا فيها على زيادة الإنفاق الحكومي مع أن معدلات التضخم والإنفاق عند مستويات تاريخية، وزيادة الإنفاق قد تشعل التضخم وتزعزع الاستقرار الاقتصادي، ولكن الهدف من طلب الصندوق هذا على ما يبدو هو إمالة الكفة أكثر لصالح الميزان التجاري الامريكي إذ تعاني أمريكا من عجز ودين مرتفعين.


عموما ما أودّ ان أقوله، إن العيب ليس في الأجنبي الطامع في ثرواتنا، فالتوسع وحب السيطرة والهيمنة وبسط النفوذ والاستحواذ على الثروات من السنن الكونية، ومن لم يغزُ يُغزى، فالعيب فينا نحن، او بالأحرى في الحارس الذي وضعناه على هذه الثروات، بل نحن لم نضعه، هم الذين وضعوه، أقصد المستعمر القديم، فهو بمثابة وكيل أو موظف لا يستطيع رفض طلبات رئيسه.

الغرب هو من وضع هذه الأنظمة بعد انسحابه من الاستعمار المباشر. والمقصود هو انه اذا كانت الدكتاتوريات فاقدة للشرعية والتأييد الشعبي الداخلي، فمن الطبيعي أن تستجدي شرعية مزيفة وحماية من الخارج ولا مانع أن يكون ذلك مقابل ثمن من قبيل التفريط في ثروات الأمة واستنزاف مدخرات الأجيال القادمة مادام ذلك سيضمن لها البقاء والاستمرار في السلطة. وباختصار شديد، معظم مشاكل الأمة تتلخص في جملتين: تضارب مصالح بين الحاكم والمحكوم أدى إلى توافق مصالح بين الحاكم والمستعمر القديم. وهذه حالة توازن كما يسميها الاقتصاديون أو استقرار، أي جمود، ممكن تبقى فيها الأوضاع على هذه الحالة لفترات طويلة حتى تأتي عوامل أو تتهيأ ظروف أخرى تؤدي إلى تغير هذه الترتيبات.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق