الإسم: د. خالد بن راشد الخاطر
عدد المشاهدات: 29849
عدد المقالات: 2
أخر مشاركة: 16 سبتمبر 2017 - 21:00

اقتصاد الحصار.. لماذا حرب اقتصادية؟

قطر تخوض معركة كرامة والمنتصر فيها صاحب النفس الأطول

12 يوليو 2017 - 21:09

هي حرب اقتصادية، ظاهرة وخفية، خبيثة وذكية تستخدم كل الوسائل والأسلحة، فالجار تآمر على جاره واستخدم عنصر المفاجأة، مستغلا عامل الثقة والأمان وحسن ظن أخ بأخيه، لزعزعة أمنه واستقراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، إنها مكيدة تستهدف ضرب العملة لزعزعة استقرارها وسمعتها وزعزعة استقرار الجهاز المصرفي والمالي. في رأيي أنها أخطر من التدخل العسكري، لأن تكلفة التدخل العسكري ستكون باهظة جدا بكل المقاييس ومن كل النواحي الداخلية (في دول الحصار) والخارجية وغير مأمونة العواقب، بينما الحرب على العملة والجهاز المالي يمكن أن تحقق نتائج كبيرة لو نجحت وبتكاليف منخفضة.
هي حرب ذكية عن بعد يستخدم فيها عنصر المفاجأة والثقة والخيانة والتداخل والترابط المالي ومن الممكن أن تضرب الاقتصاد الوطني في الصميم.
هنا مؤامرة واضحة تستهدف زعزعة استقرار الجهاز المصرفي والمالي ولكنها فشلت، وسأوضح خطورة ذلك لو تحقق لهم ما أرادوا.
كانت هناك محاولات لضرب العملة الوطنية بهدف زعزعة استقرارها وفقدان الثقة فيها، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال الذي يؤدي إلى زعزعة استقرار الجهاز المصرفي والمالي، ومن ثم استنزاف الاحتياطيات المالية دفاعا عن العملة وعن الجهاز المصرفي وفي حالة انخفاض قيمة العملة بشكل كبير، لا قدر الله، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم - كما هو الحال الآن في مصر بسبب تدهور سعر صرف الجنيه-، وبالتالي يؤدي إلى ضرب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مما قد ينتج عنه إضعاف الجبهة الداخلية وزعزعة الاستقرار السياسي.
ومن أوجه الحرب الاقتصادية أيضا سحب الودائع وتجميد الأصول ومحاولة التأثير على أطراف وبنوك أخرى بهدف سحب ودائعها من الجهاز المصرفي القطري وعدم التعامل معه بعدة أساليب للتأثير، منها تشويه السمعة وإثارة القلق والمزايدة وبث الشائعات والضغط بأساليب مختلفة منها التخيير بين التعامل مع قطر أو مع دول الحصار، ولابد من التحوط لمثل هذه الأمور من قبل المصرف المركزي.
واحتمالات المضاربة على الريال قائمة، ليس فقط خارجيا، بل حتى داخليا بهدف استغلال الأوضاع الراهنة لتحقيق الأرباح وهناك احتمالان، الأول هو استغلال الأوضاع الراهنة لتحقيق أرباح من خلال الحصول على الدولار بالسعر الرسمي المنخفض من المصرف المركزي وبيعه بسعر مرتفع، بحجة أوضاع السوق وارتفاع سعر الدولار فيها.
أما الثاني فهو ربما يهدف إلى زعزعة الاستقرار النقدي - نظرية المؤامرة – وعلى المصرف المركزي الحيطة والمراقبة واتخاذ الإجراءات المناسبة والكفيلة بمنع مثل هذه التصرفات.
وتجدر الإشارة إلى بعض الإشكالات الفنية التي من الممكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكلفة إمداد السوق بالدولار.
فإذا كان المصرف المركزي يفرض سقفا على سعر بيع الدولار للجمهور، هو 3.65 ريال، بينما ارتفعت تكلفة إمداد السوق بالدولار، فعلى «المركزي» دراسة هذه التكلفة الإضافية، والتحقق من أنها مبررة وحقيقية، وإذا كانت كذلك فرأيي أن يتحمل المصرف هذه التكلفة بطريقة ما.
ففي حالة ارتفاع سعر بيع الدولار إلى ما فوق 3.65 ريال بسبب ارتفاع تكلفة الإمداد والتمويل بالدولار، فقد يعمد كثير من الصرافين إلى الامتناع عن بيعه، سواء كان ذلك بسبب السقف المفروض على سعر البيع من قبل المصرف المركزي أو بسبب أن الصراف لا يريد إضعاف سمعته وفقدان العملاء.
وهنا يمكن أن يحدث نقص في عرض الدولار لسبب فني ويخلق مشكلة من لا شيء.
كما أن ارتفاع تكلفة أو سعر بيع الدولار قد تنعكس أيضا بارتفاع أسعار جميع العملات الأخرى في سوق الصرف الأجنبي المحلية، لأن التحويل يتم أولا من الريال إلى الدولار، ثم إلى العملات الأخرى.
والسوق الخارجية للريال لا تقلق كثيرا إلا في حدود تأثيرها على السوق الآنية، لأنها ضعيفة ولا يوجد عرض كبير فيها للريال.
فتأثرها لا يزال محدودا، لذلك يجب التحوط ليكون عرض الريال في الخارج في حدوده المعتادة، وهنا يجب على الجهات المختصة كالمصرف المركزي مراقبة حركة خروج الريال ورؤوس الأموال بالعملتين المحلية والأجنبية، وفرض قيود للحد من ذلك إذا لزم الأمر.
ولكني أتوقع من رجال الأعمال وأرباب رؤوس الأموال القطريين الاحتفاظ بأموالهم في البلاد وعدم تحويلها إلى الخارج، وذلك دعما منهم للاقتصاد الوطني، وهذا موقف وطني ورد جميل لهذا الوطن الذي استفاد منه الجميع في أوقات الرخاء.
أولا نقول إن تأثير الحصار التجاري سيكون محدودا، والتأثير في معظمه سوف يكون من خلال ارتفاع التكلفة، وصادرات النفط والغاز لن تتأثر، ولا يوجد جذب كبير لرأس المال الأجنبي، ما عدا لقطاع النفط والغاز والبورصة وربما شركات محدودة في القطاع الخاص كالنشاط العقاري.
وبشكل عام تأثير الحصار التجاري يظل محدودا والسبب في ذلك هو أننا في دول مجلس التعاون فشلنا في تنويع اقتصاداتنا، فتوجد لدينا بضاعة واحدة نصدرها للعالم الخارجي هي النفط، ونستورد في المقابل معظم ما نحتاج إليه من سلع استهلاكية ورأسمالية من الخارج، لذلك لا يوجد لدينا الكثير مما يمكن أن نتبادله فيما بيننا.
وظلت التجارة البينية في دول مجلس التعاون تراوح مكانها عند نسبة 10% لعقود.
ومع ذلك لو طالت فترة الحصار إلى مدة ستة أشهر أو أكثر فستكون له آثار ولكن ذلك يعتمد أيضا على السياسات المضادة التي تتخذها قطر لمواجهة الحصار وحماية القطاع المالي وتحديد أثر الحصار على القطاع الحقيقي، وعلى النجاح في تبني سياسات متوازنة، بحيث لا يلغي بعضها أثر البعض الأخر.
التأثير سيكون من خلال ثلاث قنوات هي التجارة والأسعار وعامل الثقة.
بالنسبة للتجارة، فحجم الواردات من دول الحصار لا يعتبر كبيرا ولكنه في مجالات معينة كبعض المواد الغذائية وتبلغ نسبة الاستيراد من الإمارات 9%، معظمها إعادة تصدير من دبي ومن البحرين 1% ومن السعودية 4%. وتأثر هذه القطاعات يعتمد على مرونة الاستيراد من مصادر بديلة وبتكاليف معقولة، أي يعتمد على بعد وسرعة الاستيراد.
ولكن في الحالات غير العادية على سبيل المثال عندما يتعطل الإمداد ببعض السلع الأساسية من خلال الآليات والأسواق، هنا يمكن أن تتدخل الدولة ومؤسساتها بشكل مباشر في الأسواق كمستورد وكموزع ومنظم للأسعار.
وهذا ما حصل بالفعل خصوصا عند بداية الأزمة.
والشكر لمعالي رئيس الوزراء على جهوده المضنية في هذا السبيل وفي عدم ظهور نقص للسلع أو ارتفاع في الأسعار.
من الممكن أن ترتفع الأسعار ولكن بشكل محدود بسبب تغير مصادر وخطوط الإمداد وتكاليف الشحن، ومن المتوقع أن يكون في حدود 1% أو أعلى بقليل، معظمه تضخم تكاليف.
قطر تمر بمرحلة تحول هيكلي تستدعي إعادة رسم السياسات الاقتصادية والأمنية والإستراتيجية والسياسية بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، بل الأمن بكل أنواعه وأرى أن ذلك سيكون على ثلاثة مرتكزات أساسية مستقبلا: تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد على الذات وتقليص الاعتماد على الجار المحاصِر إلى أقل قدر ممكن وسد النقض بالاستيراد من مصار أخرى مع تنويع مصادر ووسائط الاستيراد.
وإنه ليحزنني كمواطن خليجي وعربي مسلم وأيضا كاقتصادي متخصص، أن أنصح ولأول مرة بتقليص التعامل مع الجار، لأن الثقة انعدمت فيه حتى تتغير القيادات وتأتي قيادات تستمد شرعيتها ومصداقيتها في الشعوب، وتتجدد الثقة والمصداقية فيها.
حتى لو تصالح السياسيون وتبادلوا الابتسامات، فالشعوب لن تصدقهم والمستثمرون لن يثقوا بهم.
أنا كمحلل اقتصادي أيضا لا أستطيع أن أنصح بالتكامل الاقتصادي ولا النقدي ولا الدخول في مشاريع مشتركة في المستقبل المنظور، بل على العكس لابد من التحوط من التآمر ومحاولة زعزعة الاستقرار المالي والاقتصادي.
نحتاج لجيل كامل حتى يتم نسيان هذه التجربة المريرة.
بالنسبة للعنصر الأول فيما يتعلق بالاعتماد على الذات فجوهره التنويع، تنويع هياكل الإنتاج والاقتصاد بما يعزز من أمننا الغذائي والمائي والاستقرار الاقتصادي، بل وكل أنواع الأمن بما يحقق التنمية المستدامة، فكلها جزء لا يتجزأ وحتى لا يتعرض أمننا للتهديد ولا قرارنا السيادي للابتزاز.
وهذا يتطلب من بين أمور أخرى إعادة تصميم السياسات وتوجيهها نحو تحفيز المنتج المحلي، الحيواني والزراعي والصناعي، لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي في هذه المجالات الحيوية وهنا يمكن توظيف التكنولوجيا والابتكار للتغلب على صعوبات البيئة وتحفيز الإنتاج ولابد من الاستماع إلى المنتجين المحليين ومعرفة همومهم والإشكاليات التي تواجههم والعمل على حلها وتقديم الدعم اللازم لهم لتحفيز الإنتاج ووضع الكفاءات الخلاقة على إدارة الجهات الحكومية المسؤولة عن هذه القطاعات وتنميتها، ولابد من تفكيك البنى الاحتكارية ودعم التنافسية في هذه القطاعات.
وما نمر به من أزمة الآن يؤكد أكثر من أي وقت مضى على أهمية تنويع هياكل الإنتاج والاقتصاد بما يحقق الاستقرار والتنمية المستدامة، بما يحقق عدة أهداف إستراتيجية منها تقليص الاعتماد على القطاع الهيدروكربوني مقابل التركيز على التنويع، بما فيها التصنيع الحربي والدخول في مشاريع مشتركة مع أصدقائنا في هذا المجال من الدول المتقدمة.
إن العنصر الأهم والتحدي الأصعب هو بناء رأس المال البشري الوطني، فهذا العنصر هو القاعدة التي تنطلق منها كل عمليات التنويع بأشكالها وألوانها.
والشرط الثاني هو إصلاح القطاع العام لرفع كفاءته وإنتاجيته وتعزيز الحوكمة وتراكم الخبرات فيه، وهذا يتطلب وضع الكفاءات القيادية والإدارية الخلاقة المتمكنة على مؤسسات القطاع العام وليس الضعفاء ممن يكون أكبر همهم هو تصفية الكفاءات والتخلص منها.
إصلاح القطاع الخاص وتفكيك البنى الاحتكارية فيه لخلق قطاع خاص تنافسي يسهم في التنويع وفي بناء اقتصاد معرفي وفي خلق فرص عمل للمواطنين.
وأخيراً بناء قاعدة صناعية تصديرية على مبدأ التصنيع من أجل التنويع.
أختم بالقول: إنهم ظنوا أن قطر دولة صغيرة وستكون لقمة سائغة لهم ولكن منذ متى تقاس الدول بأحجامها.
لو كان الأمر كذلك، انظر إلى حجم مصر ومواردها الطبيعية وقارنها بسنغافورة عديمة الموارد صغيرة الحجم التي يتم الآن التوسع العمراني فيها رأسيا بسبب صغر مساحتها، فكثافة الموارد مع سوء الإدارة أو فسادها تعني دمارا.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق