الإسم: طارق حسين الخلف
عدد المشاهدات: 15736
عدد المقالات: 1
أخر مشاركة: 11 سبتمبر 2017 - 21:00

«رب ضارة نافعة»

11 سبتمبر 2017 - 21:00

كان إعلان الحصار الجائر على دولة قطر منذ الخامس من يونيو2017، وحتى الآن تجربة قاسية للجميع، برزت أصوات وطنية وحكومية تقول "رب ضارة نافعة" وهي الكلمة التي أكد عليها صاحب السمو أمير البلاد المفدى في كلمة العز والكرامة التي وجهها للشعب القطري يوم الجمعة 22/7/2017، حيث قال سموه "لقد دفعت هذه الأزمة المجتمع القطري ليس فقط إلى استكشاف قيمه الانسانية، إنما أيضاً إلى استكشاف مكامن قوتة ووحدته وإرادته وعزيمتة..

فإن هذه الكفاءات التقنية والإدارية والسياسية والإعلامية التي تعاملت مع الأوضاع برؤية وعقلانية وتصميم، قادرة على تشييد صرح استقلالنا الاقتصادي، وحماية أمننا الوطني وتعزيز علاقاتنا الثنائية مع الدول في هذا العالم.. نحن مدعوون لفتح اقتصادنا للمبادرة والاستثمار بحيث ننتج غذاءنا ودواءنا، وننوع مصادر دخلنا، ونحقق استقلالنا الاقتصادي ضمن علاقات ثنائية من التعاون مع الدول الأخرى في محيطنا الجغرافي وفي العالم أجمع، وعلى أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، كما إننا مدعوون إلى تطوير مؤسساتنا التعليمية والبحثية والإعلامية ومصادر قوتنا الناعمة كافة على المستوى الدولي".


هذه الكلمات الخالدة لأمير البلاد المفدى احتوت على الركائز الأساسية للاقتصاد القطري خلال المرحلة القادمة، ونهج وخطة إستراتيجية ينبغي التكاتف لتحقيقها.
نعتقد إنها حرب اقتصادية خبيثة استخدمت فيها كل الوسائل والأسلحة المشروعة وغير المشروعة، فالجار تآمر على جاره واستخدم عنصر المفاجأة، مستغلا عامل الثقة والأمان وحسن ظن الأخ بأخيه، لزعزعة أمنه واستقراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، إنها مكيدة تستهدف ضرب الاقتصاد القطري لزعزعة استقرار الجهاز المصرفي والمالي.


أنها أخطر من التدخل العسكري، لأن تكلفة التدخل العسكري ستكون باهظة جدا بكل المقاييس ومن كل النواحي الداخلية (في دول الحصار ) والخارجية وغير مأمونة العواقب، بينما الحرب على الاقتصاد والجهاز المالي يمكن أن تحقق نتائج كبيرة لو نجحت وبتكاليف منخفضة.


هذا الدرس يجعلنا نفكر بصوت عالٍ، بضرورة مراجعة وتقييم مصادر الدخل لدينا والعمل على تنويع اقتصادنا بدلاً من الاتكال على رحمة الاستيراد من الخارج.
وإعادة رسم خطة بديلة تهدف لتحقيق السرعة في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من منتجات المواد الغذائية وغيرها من الصناعات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطن والمقيم في البلاد، وتحجيم دور الاستيراد الخارجي الذي يكلف الدولة مبالغ وتكاليف باهظة.


وأود هنا الاستشهاد بالتجربة السنغافورية التي أثبتت أن المساحة ليست عاملاً هاماً في نهضة الدول، ونجحت في أقل من أربعة عقود بدءًا من الستينيات وحتى مطلع الألفية الثالثة في تحقيق قفزة تنموية شاملة، حيث شهدت في تلك الفترة تحولاً كبيرًا من بلد فقير يبلغ متوسط دخل الفرد فيه قرابة الـ 500 دولار، لبلد متقدم أغلب شعبه متعلم ويبلغ متوسط الدخل فيه الآن 70 ألف دولار، فعندما يزيد دخل الفرد 140 ضعفًا فى غضون 50 سنة، فسنغافورة كدولة تندرج ضمن الدول فقيرة الموارد الطبيعة (بترول ومعادن)، فهذا إنجاز يستحق الدراسة عن كثب لاستنباط مواضع القوة الحقيقية لهذه التجربة وكيفية الاستفادة منها.


لابد من التسريع في تنفيذ خطط تطوير البنى التحتية التي تجري في قطر، لما لها من دور كبير في تشجيع جميع جوانب الاستثمار الخاص حالياً ومستقبلاً. ومع نمو الاقتصاد وازدهاره، تدعو الحاجة إلى جذب استثمارات ضخمه في البنى التحتية من أجل دعم هذا النمو. بداية من البنى التحتية الخاصة بالمطارات والموانئ ومشاريع توليد الكهرباء والطاقة، وصولاً إلى المستشفيات والمدارس والخدمات المالية والاتصالات السلكية واللاسلكية والتطوير العقاري، فإن قطر تقدم فرص استثمار ضخمه تحتاج منا الوقوف على المعوقات ومعالجتها بشكل سريع.


فإن مصادر قوّة الاقتصاد القطري تتمثّل في الموارد الطبيعية الضخمة والسياسات الاقتصادية السليمة التي اتبعتها قطر في أوقات الرواج وتكشفت نتائجها خلال هذه الأزمة.
يكمن مصدر الانكشاف المتوقع من خلال هذه الأزمة في قطاع التجارة الخارجية والنقل والسياحة، وعلاج ذلك بالاستفادة من البنية التحتية المتمثلة في الميناء والمطار بكفاءة عالية وبالحد الأقصى من خلال فتح خطوط ومصادر استيراد جديدة، خاصة أن إجمالي الاستيراد من السعودية صاحبة أكبر اقتصاد في المنطقة لا يتخطى 4 %، فلابد أن يكون هناك تنوّع وجودة واختيارات مختلفة لدى المستهلك وبأسعار تنافسية.


تمر قطر حالياً بمرحلة تحول هيكلي تستدعي إعادة رسم السياسات في كل المجالات، وأن ذلك سيكون على ثلاثة مرتكزات أساسية مستقبلاً، وهي تحقيق أكبر قدر ممكن من الاعتماد على الذات من خلال التنوع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على دول الحصار إلى أدنى قدر، وسد النقص بالاستيراد، وتنويع مصادر ووسائط ووكلاء الاستيراد.


علاوةً على أهمية تعظيم سبل ووسائل الإنتاج المحلي، من خلال إعادة استثمار رؤوس الأموال ، في المجالات الحيوية التي تطرق إليها صاحب السمو في خطابه، مثل الأمن الدوائي والإنتاج الصناعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي .
ويجب ألا نغفل عن دور القطاع الخاص القطري وهو قطاع خاص ريعي عالة على المال العام، ويسعى لتعظيم الأرباح السريعة من الطفرات النفطية وفورات الإنفاق العام المصاحبة لها من خلال التوظيف المكثف لعمالة أجنبية قليلة المهارة والتكلفة، وهذا يلغي الحاجة للاستثمار في التكنولوجيا وتطوير أساليب الإنتاج


وأكّد أن العلاج لهذا القطاع يكمن في تغيير هيكل الحوافز بالانتقال من مرحلة اقتصاد العقارات إلى اقتصاد التصنيع والتنويع، كما ينبغي أن يصاحب ذلك آليات جديدة لعملية طرح المشاريع للقطاع الخاص على مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص وأن تخضع للرقابة للحد من الفساد وعدم استخدام هذه المشاريع كاداه لإعادة توزيع وتدوير الريع، حتى لا تصبح عملية يغذي بعضها بعضاً، وتدخل في دائرة شبكات مجموعات المصالح، مع بناء قاعدة صناعية على مبدأ التصنيع من أجل التنويع. وبهذا تتمكن دولة قطر من الخروج من هذا الحصار مستفيدة بكل تأكيد خصوصاً إذا نجحت في تحقيق الإصلاحات المطلوبة.


وأخيراً يأتي الدور الأهم لسكان دولتنا الحبيبة مواطنين ومقيمين بضرورة أن يقدر الجميع قيمة العمل وروح التضامن لدى الجميع للدفاع عن هذه البلاد بعد الظلم الذي وقع عليها بسبب هذا الحصار، وضرورة إعادة نظر الحكومة من الاستفادة من الكفاءات والخبرات السابقة غير المستغلة في المجتمع ممن خرجوا من الوظائف وهم مازال لديهم الكثير مما يمكن أن يقدموه ، وأن يسهموا فيه بخدمة وطننا الغالي. فالنجاح الحقيقي لن يتحقق إلا بتنمية رأس المال البشري وبناء القدرات الوطنية .
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق