الإسم: حسام عايش
عدد المشاهدات: 2842
عدد المقالات: 80
أخر مشاركة: 22 أغسطس 2017 - 22:00

موجة التعويم

11 يوليو 2017 - 21:00

تعيش العملات العربية وضعا صعبا يؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، ويفاقم مشكلات التضخم والاستثمار، ويؤدي لاستبدال حامليها بالدولار وغيره للمحافظة على قيمة المدخرات التي تنخفض قيمتها. وهو ما أدى لتراجع قيم بعضها، وتعويم بعضها الآخر كالجنيه المصري، ليكون هذا التعويم بداية موضة تعويمية وكأنها موجة تضرب عملات الدول العربية خصوصا في شمال إفريقيا، مستفيدة – أو هكذا يفترض - من الخطوة المصرية التي نفذت على عجل، مما تسبب بفوضى معيشية عبر عنها معدل التضخم المرتفع بما يزيد على 30%.

ومن الواضح أن تجربة التعويم المصرية سمحت للمغرب باستخلاص العبر لتلافي أخطاء ونتائج تلك التجربة، من خلال التعويم التدريجي للدرهم استنادا لمؤشرات اقتصادية ومالية جيدة، واحتياطي نقدي معقول، وتعاون بناء مع صندوق النقد الدولي لتجنب الآثار السلبية للتعويم المنتظر، ما يسمح بإقامة نظام صرف مرن ينقل بسلاسة قرارات السياسة النقدية الجديدة إلى السوق، الذي سيتم إعلامه مسبقا عن نسب التضخم المستهدفة الملتزم بتحقيقها، وصولا لتحديد سعر الدرهم المغربي أمام العملات الأخرى من خلال العرض والطلب، وحصر دور البنك المركزي بضمان توفر سيولة مناسبة من العملات الأجنبية. 

رياح التعويم هذه لا يماثلها ما حدث في الجزائر، التي تبنت سياسة التعويم الموجه بتخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار - يساوي الدولار الواحد 810 دنانير - وفي تونس، التي ألمحت على لسان وزيرة ماليتها المقالة إلى إجراء مماثل، متوقعة وصول قيمة الدينار التونسي إلى 3 دنانير لليورو الواحد، وليبيا، التي تراجع دينارها إلى ما فوق 8 دنانير للدولار الواحد لأول مرة منذ خمسينيات القرن الماضي. 

حجج التعويم كثيرة كتقليص عجز الموازنات، وتخفيض فجوة ميزان المدفوعات والميزان التجاري، والحد من تراجع الإيرادات وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، والاعتماد على الذات، وتبني سياسات اقتصادية وطنية، حيث تسوق هذه الخطوة التعويمية وكأنها الحل السحري للمشكلات الاقتصادية القائمة، فالصادرات ستزداد، والدولارات والاستثمارات ستتدفق إلى الأسواق المحلية، والإنتاج المحلي سيصبح أكثر قوة ونشاطا في الأسواق الداخلية لميل المستهلكين إليه، مما يساهم بزيادة الإنتاجية بفعل المنافسة، وفاتورة المستوردات ستنخفض، والقطاع المالي سيواكب المعايير العالمية في أدائه، والضغوط على الاحتياطيات النقدية ستتراجع مما يجنب البلاد أزمات الصرف، ويقلل وقع الاختلالات والصدمات الخارجية على الاقتصاد الوطني.. إلخ.

من الناحية النظرية يمكن لكل تلك المؤشرات أن تتحسن، لكن الوقائع لا تشير بذلك عمليا، فتعويم عملات الدول لم يؤد مثلا إلى إعادة التوازن إلى موازين تجارتها، بل إن العالم عاش حالة من عدم الاستقرار النقدي بسبب تقلبات أسعار الصرف ومعدلات تغييرها الكبيرة، أيضا فإن ارتفاع أسعار الواردات وبالذات الغذائية سينعكس على جيب المواطن مباشرة، لذلك تظل النتائج الإيجابية للتعويم مجرد أمنيات أكثر منها وقائع حتمية.

تعويم العملة يبدو حتميا لأي اقتصاد يعيش فوق طاقته الإنتاجية والتمويلية، ويعاني من مشكلات هيكلية حتى لو كان نفطيا، لأن تنافسيته وإنتاجيته ضعيفتان، فمرونة العرض التصديري تظل ضعيفة مع انخفاض سعر العملة، وحجم المستوردات محدد سلفا ولا علاقة له بالكلفة التي تصبح مرتفعة الثمن لنفس الكميات المستوردة، وهو ما يجعل قرار التعويم خصوصا في الدول النامية وأيا كان شكله وهندسته، نابعا عن اضطرار وليس عن حاجة.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق