الإسم: د. عبد الرحيم الهور
عدد المشاهدات: 2719
عدد المقالات: 78
أخر مشاركة: 16 أكتوبر 2017 - 22:00

صنعة الكبار

09 أكتوبر 2017 - 21:00

عن معاوية رضي الله عنه قال ذات يوم لصديقه عمرو بن العاص رضي الله عنه: يا عمرو ما بلغ بك دهاؤك فقال عمرو: والله يا أمير المؤمنين ما وقعت في مشكلة إلا وخرجت منها، فقال له معاوية: أما أنا فكان دهائي حرزا لي من أن أقع في ما يسوؤني.


ليست الحكمة ولا المعرفة أن تستطيع أن تخرج من المشاكل بأنواعها ولكن الحكمة ألا تقع فيها أصلاً، فإذا نظرنا إلى واقع حياتنا على المستوى الفردي أو المؤسساتي أو حتى الدولي، سنجد أن الجميع يعاني من الآثار السلبية لأحداث خاطئة هو أوقع نفسه فيها أو تم الإيقاع به ليبذل الوقت والجهد والموارد للتخلص من تلك الآثار، في الوقت الذي كان من الممكن أن يستثمره في العمل على تحقيق أهداف أخرى أكثر فائدة.


ولكن للعلم أن تخطي الوقوع في الأخطاء على كل المستويات كما ذكرنا فردي أو مؤسساتي يحتاج إلى الذكاء المعرفي المبني على توافر البيانات والقدرة على تحليلها واستنباط المعلومات وبعد ذلك اتخاذ القرارات التي تقود إلى عدم الوقوع في الأخطاء أو على الأقل عدم التقليل منها ذلك توفير للجهد والمال والوقت.


وليس المقصود هنا عدم المخاطرة أو قلة الحيلة أو الاستكانة دون محاولة التغيير، بل المقصود هو العمل الدائم على بناء المواقف والتحضير لها بشكل مسبق بما يقلل نسبة الوقوع في الخطأ، والموازنة بين فكرتي الرغبة في شيء ما واحتمال تحول هذه الرغبة إلى معضلة من ناحية والزهد من ناحية أخرى في تلك الرغبة والذي أيضا سيُصبِح معضلة وعليه فإن حالة التوازن أو محاولة التوازن هي غير ممكنة من الناحية النظرية فكيف من الناحية العملية، لذا الحل الوحيد الممكن للخروج من حالة المراوحة بين الرغبة والزهد والتي تمثل بداية حديثنا عن الوقوع في المشاكل أو تفاديها كليا، الحل هو اعتبار أن المشاكل والمعوقات في كل مناحي الحياة على المستوى الفردي والمؤسسي هو مكون أساس للوجود ولا يمكن العيش بدونه ولكن في محاولة دءوبة ومستمرة للحفاظ عليه في مستويات مقبولة تختلف من شخص لآخر على حسب نوع الشخصية والقدرات والفروق الفردية.


وأختم مقالتي كما بدأتها فيما بلغ عن دهاة العرب ومنهم طبيب بارع لم يمارس الطب حيث قضى طاعون عمواس على قرابة خمسة وعشرين ألف مسلم أشهرهم أبوعبيدة ومعاذ بن جبل وأبو جندل رضي الله عنهم وتولى عمرو بن العاص الشام فرأى شدة فتك المرض وقارن بينه وبين النار فوجد بأن النار إذا لم تجد ما يوقدها تنطفىء فطلب من الناس الخروج من المدن الشامية إلى الجبال ويتقسمون كل قسم لا يزيد على خمسة ومن يصاب منهم لا يقترب من أحد حتى يموت وفعلا بهذه الطريقة توقفت العدوى ونالت استحسان الفاروق الذي أشاد بعمرو بن العاص، فلم يكن طبيبا ولكن الحكمة ورجاحة العقل هي أفضل ما يرزق به الإنسان، رزقنا الله وإياكم الحكمة والفطنة ورجاحة الرأي. وإلى مقال آخر هذه تحية محبة وإلى اللقاء.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق