وزير مالية اليونان السابق يسلط الضوء على انهيار اقتصاديات القارة العجوز..

الدول الفقيرة تدفع فاتورة السياسات النقدية للقوى الكبرى

أوروبا تمثل تهديدا قويا للاستقرار العالمي
ترجمة – ياسين محمد 17 أبريل 2017 - 0:45

يسعى يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني السابق، في هذا الكتاب الذي يتناول فيه مراحل الصعود والهبوط الاقتصادي في القارة الأوروبية، إلى تسليط الضوء على الانهيار الكبير الذي شهدته الاقتصادات الأوروبية الكبرى في الآونة الأخيرة، والذي جاء بأقوى مما أقر به حتى قادة الدول في القارة العجوز، وهو الانهيار الذي لم يفعل هؤلاء القادة شيئا لمواجهته عبر إصلاح أنظمتهم الاقتصادية.

ويقوم فاروفاكيس، بدءا من الحرب العالمية الثانية وحتى وقتنا الحالي، بتوضيح الكيفية التي برزت من خلالها منطقة العملة الأوروبية الموحدة “اليورو”، ليس كمسار إلى الرفاهية المشتركة، ولكن كخطة هرمية للديون مع بلدان مثل اليونان وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا. وأوضح المؤلف أن القادة الأوروبيين اختاروا مزيجا من الديون الهائلة وسياسة التقشف الصارمة بدلا من الإصلاح، وهو ما يضمن أن المواطنين الأشد فقرا في البلدان الضعيفة، هم من سيدفعون ثمن الأخطاء الفادحة التي اقترفها الخبراء المصرفيون، بينما لم يفعل هؤلاء القادة شيئا لدرء وقوع أزمة مقبلة.

ولكن مبدأ التقشف الصارم بالنسبة لهؤلاء الأشخاص الذين يعانون من أسوأ أزمات ركود تشهدها أوروبا، قد أدى إلى ظهور

التطرف العنصري. وشدد فاروفاكيس مجددا على أن أوروبا تمثل تهديدا قويا للاستقرار العالمي.

يوضح يانيس فاروفاكيس، من خلال استلهام التجربة الشخصية الخاصة بالمفاوضات التي أجراها بنفسه مع الممولين في منطقة العملة الأوروبية الموحدة وطرحه لسياسات ملموسة وبدائل واقعية، الكيفية التي خلق بها القادة الأوروبيون تلك الفوضى، وأيضا طرق الخروج منها، مشيرًا إلى أن كتاب «الدول الفقيرة تدفع فاتورة السياسات النقدية للقوى الكبرى“يذكرنا بتاريخنا كي ننقذ الرأسمالية الأوروبية من نفسها”.

الأزمة المالية

وانتقل مؤلف الكتاب بعد ذلك إلى الحديث عن أزمة “وول ستريت” في العام 2008 واندلاع الأزمة المالية العالمية في العام ذاته، موضحا أنه وما إن زاد التمويل الغربي في حجمه، امتد تأثير الأزمة الائتمانية الناتجة عن ذلك وكذا البنوك المتعثرة، ليبلغ ذروته على الشعوب الأوروبية، ولاسيَّما تلك التي تعتمد على العملة الأوروبية الموحدة.

وكان مصرف “نورثرن روك” البريطاني أول المؤسسات المصرفية الأوروبية في التأثر سلبا جراء الأزمة المالية، في حين كانت اليونان الأولى في قائمة البلدان المتضررة.. ومع ذلك، فقد كان ثمة فرق شاسع بين بريطانيا وبين دول أمثال اليونان.

ففي الوقت الذي استطاع فيه رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردون براون الاعتماد على بنك إنجلترا المركزي في ضخ السيولة النقدية اللازمة لإنقاذ لندن، كان لدى الحكومات الأوروبية بنك مركزي لا تسمح قواعده التنظيمية الصارمة بفعل الشيء نفسه.

وبدلا من ذلك، وقع عبء إنقاذ الخبراء المصرفيين الساذجين على المواطنين الأشد فقرا. بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية – في دول تلعب دورًا هامًا في حركة اقتصاد العالم – منذ عام 2006 ، وكان بسبب انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة.

وفي عام 2008 بالتحديد يوم15 سبتمبر، حين نشرت “سي إن إن” على موقعها الرسمي تحت عنوان: “سهم ليمان يستمر في الهبوط ومسؤولوه يسابقون الزمن لبيعه”، بعدها أعلنت الولايات المتحدة، وبعد محاولات عديدة لتجنب خطوة كهذه، عن إف اس بنك “ليمان برازرز” سبب الأزمة المتفاقمة آنذاك ورابع البنوك الأمريكية.

وبحلول أواخر العام 2009 ، كانت أزمة الإف اس التي ألمت باليونان تهدد البنوك الألمانية والفرنسية، بنفس مصير مجموعة “ليمان برازرز” المصرفية الأمريكية المنهارة، في غضون ذلك، تسببت أزمة البنوك الأيرلندية في انهيار أيرلندا، وهو ما عاظم المشكلات التي تواجهها البنوك في كل من ألمانيا وفرنسا. فقد سارع صانعو السياسات في كلا البلدين والذين يتملكهم الرعب في منح مساعدات إنقاذ ممولة من دافعي الضرائب، في حين تتمتع مؤسسات مثل جوجل وفيسبوك والفئة القليلة التي تحكم اليونان بحصانة ضد الضرائب

والأدهى، والأمر أن القروض الخاصة بحزم الإنقاذ قد مُنحت وفق شروط تتعلق بفرض سياسات تقشفية من شأنها أن تزيد معاناة دافعي الضرائب الذين تعتمد عليهم المنظومة بالكامل.

تعميق الأزمة

يمكن القول إن خطة إنقاذ اليونان أدت إلى تعميق الأزمة، وفي رأيي إن الاقتصاد اليوناني انهار، ولكن الانهيار لم يعلن عنه رسميا بعد، أو كما يقول الأوروبيون إنهم يقومون بإدارة انهيار تحت السيطرة لمنع تداعياته على أسواقهم، وفي الحقيقة إنهم - خاصة ألمانيا- سعوا إلى كسب الوقت لتحصين أنظمتهم البنكية للحد من تأثير انهيار الاقتصاد اليوناني مستقبلً، أي أنه تم تأجيل الإعلان عن الانهيار.

ويركز كتاب “الدول الفقيرة تدفع فاتورة السياسات النقدية للقوى الكبرى” على أوروبا بشكل أساسي حيث يسلط الضوء على ثلاث وقائع تاريخية ترتبط ببعضها. ووقعت أول تلك الأحداث في العام 1971 عندما قامت الولايات المتحدة بطرد أوروبا من منطقة الدولار (منطقة تعادل منطقة اليورو في الوقت الحالي)في مسعى منها للمحافظة على هيمنتها الاقتصادية في العالم. ومن الممكن الشعور بتأثير هذا الحدث حتى اليوم في كل أنحاء أوروبا، بل إن تأثيره يمتد إلى الولايات المتحدة نفسها أيضا.

والحدث الثاني وقع حينما حاولت أوروبا مرارا وتكرارا إدخال تعديلات على عملية طردها من منطقة الدولار عبر توحيد عملاتها الكثيرة المختلفة في اتحاد نقدي بأنواع مختلفة- أولا في النظام النقدي الأوروبي، ثم في منطقة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ويقول المؤلف إن جزءا كبيرا من هذا الكتاب قد خُصص لإظهار الكيفية التي تحققت من خلالها الوحدة النقدية في القارة العجوز، والأهم من ذلك، الطريقة التي تطورت بها عبر القرارات الاقتصادية غير المرئية في الغالب والتي اتخذت في الماضي والحاضر.

والحدث الثالث بدأ في الولايات المتحدة الأمريكية مع انهيار بورصة “وول ستريت” في العام 2008 ، وهو ما نتج عنه تداعيات لم يكن الاتحاد النقدي الأوروبي القوي مستعدا لمواجهتها والصمود أمامها.

أسباب الإخفاق

ثم ينتقل مؤلف الكتاب إلى استكشاف الأسباب الرئيسية لإخفاق أوروبا في التعامل مع أزمتها بصورة عقلانية وفاعلة، جنبا إلى جنب مع التأثيرات الضخمة الناجمة عن هذا الإخفاق على الشعوب الأوروبية، وأيضا التأثير الضار لهذا الإخفاق على الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية للتعافي من الأزمة المزمنة التي تعرضت لها في العام 2008 .

ويعد كتاب “الدول الفقيرة تدفع فاتورة السياسات النقدية للقوى الكبرى” بمثابة تأريخ لأزمة الأوروبية في سياق علاقتها التاريخية بالمحاولات الأمريكية لتنظيم الرأسمالية العالمية، وإطلاق التحذيرات من أن أزمة “اليورو” تمثل أهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة ولا يجب أن تتركها لأوروبيين وحدهم ليجدوا حلولا لها.

ويحذر الكتاب في نهايته من أن الأزمة في منطقة العملة الأوروبية الموحدة تلقي بظلالها بالفعل على الولايات المتحدة على نحو يضر بمستقبل الجميع.

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق