بعد بلوغ الممارسات غير القانونية حدودا تهدد معدلات النمو

"اقتصاد الظل" .. مدخل لتقدير الأنشطة الخفية ومساهمتها في الدخل القومى للدول النامية

اقتصاد الظل
ترجمة :ياسين محمد 16 أكتوبر 2016 - 2:00

المؤلفان: فريدريك شنيدر
دومينيك إتش. إنستي
تحولت الممارسات غير الشرعية والقانونية والاحتيال الاجتماعي والجرائم الاقتصادية وغيرها من أنشطة اقتصاد الظل، وبوتيرة سريعة إلى مشكلة دولية. ويستخدم كتاب " اقتصاد الظل: مسح دولي" بيانات جديدة في إعادة تقييم الطلب على العملة والإستراتيجية المتبعة لتقدير حجم اقتصاد الظل في 151 دولة من الدول النامية والدول التي تمر بعملية انتقالية وكذا الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويقول مؤلفا هذا الكتاب إنه وخلال العشر سنوات الأولى من الألفية الحالية، تباين حجم متوسط اقتصاد الظل من 19% من الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى 10% للدول التي تمر بعملية انتقالية.
ويستكشف الكتاب أسباب وتداعيات هذه التنمية، مستخدما في ذلك استراتيجية متكاملة لتفسير السلوك الذي يجمع بين نتائج مستقاة من البحوث الاقتصادية والاجتماعية. ويقول مؤلفا الكتاب فريدريك شنيدر- دومينيك إتش. إنستي أن تزايد المساهمات الضريبية وكذا مساهمات الأمان الاجتماعي وارتفاع حجم الأنشطة التنظيمية الرسمية كلها عوامل تمثل قوى دافعة لهذا النمو، ويقترح المؤلفان أيضا إدخال نظام لإصلاح المؤسسات العامة للدولة بهدف تعزيز ديناميكيات الاقتصاد الرسمي حفاظا على معدلات النمو الايجابية وسد الطريق أمام الممارسات غير القانونية التى تقوض معدلات النمو وتحد منها خاصة فى الدول الساعية للتقدم.
الاقتصاد الخفى
لا يوجد تعريف دقيق ومحدد لاقتصاد الظل او ما يطلق عليه الاقتصاد الخفى ، وذلك رغم تنوعه من حيث الهدف والآلية والإجراءات وغير ذلك إلا أنه توجد عوامل مشتركة بين مكوناته، يتم اعتمادها كأداة لتمييزه عن غيره من قطاع عام أو خاص منظم أو مشترك وهذه العوامل يمكن تحديدها وفقا لمؤلفى الكتاب بما يلي:
1 - اقتصاد لا يخضع للرقابة الحكومية، ولا تدخل مدخلاته ومخرجاته في الحسابات القومية، لا يعترف بالتشريعات الصادرة ولذلك يعتمد السرية في عمله شراء وبيعاً وعملاً أي بعيداً عن أعين الرقابة، ولا يمسك دفاتر نظامية.
2 - يتهرب من كافة الاستحقاقات المترتبة عليه تجاه الدولة سواء كانت رسوم أم ضرائب أم خطط أم تقديم بيانات أو غير ذلك ويستفيد من أغلب الخدمات المقدمة لغيره من القطاعات وبكل أشكالها.
ونظراً لتنوع مجالات عمله يُطلق عليه أسماء متعددة حسب مجال العمل الذي يمارسه، فإذا كان متعاملاً بسلعة محرمة الاستخدام والتعامل (أسلحة - مخدرات - سرقة الآثار - المتاجرة بالبشر.. إلخ).. فإننا نطلق عليه الاقتصاد الأسود أو اقتصاد الجريمة.أمَا إذا كان التعامل به ممنوعاً واستخدام السلعة مسموحاً مثل (السوق السوداء لبعض السلع - إنتاج بعض السلع بمعامل غير مرخصة - دكاكين وورش غير مسجلة - دروس خصوصية - أعمال الأجرة - عقود من الباطن غير موثقة.. إلخ) فإننا نطلق عليه الاقتصاد غير الرسمي.
تحدى السياسات
في ثمانينيات القرن الماضي، تم طرح الأسباب والمسببات والمشكلات التي سببتها الزيادة في أنشطة اقتصاد الظل، على طاولة النقاش في العديد من الدول، ولاسيما الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي تسعينيات القرن الماضي، جذب اقتصاد الظل اهتماما كبيرا بسبب تأثيراته المتمثلة في ارتفاع مستويات البطالة ( على سبيل المثال، في دول الاتحاد الأوروبي) ومشكلات التمويل الخاصة بالإنفاق العام، جنبا إلى جنب مع تنامي مشاعر القلق والإحباط من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. 
وتزايد النقاش العام الذي يركز على الممارسات الاقتصادية غير الشرعية والتهرب الضريبي والأنشطة الأخرى في اقتصاد الظل. وتظهر المبادرات الضخمة التي أطلقت بالنيابة عن المفوضية الأوروبية وهى تمثل الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبى والبرلمان الأوروبي، جنبا إلى جنب مع دول العالم المختلفة، أن السياسيين قد شعروا أخيرا بالحاجة للتحرك السريع لدرء عواقب تلك المشكلة الخطيرة.
التهرب الضريبى
ويذكر المؤلفان في هذا الكتاب أن السياسيين يمرون بمعضلة شديدة، لافتين إلى أنه وعلى الرغم من الحقيقة التي مفادها أن الأثرياء يتهربون عادة من دفع الضرائب المستحقة عليهم، ما يؤدي بالطبع إلى خلق حالة من السخط العام، يكون العمال الممارسون لأنشطة غير شرعية يواجهون في الغالب انتقادات أقل، برغم أن بعض السياسيين يقولون إنهم يسلكون مسلكا غير اجتماعي، وأنهم يشكلون أيضا مصدر للبطالة المرتفعة والظلم الاجتماعي. وهذه الصورة يتم مشاركتها بصورة واسعة فيما يتعلق بالاحتيال الاجتماعي والتوظيف غير الشرعي والتهرب الضريبي. 
لكن ماذا عن العمل غير الشرعي بنظام الدوام الجزئي والذي يتم في المساء والذي يتساهل معه، على سبيل المثال، زهاء نصف السكان في ألمانيا، أو حتى يستغلونه إذا ما سنحت لهم الفرصة لذلك؟ وطرح المؤلفان سؤالين: هل يمكن أن تكون العقوبات والضوابط الإضافية، مقترنة بقواعد تنظيمية إضافية، الحل الأمثل لمكافحة الأعمال غير الشرعية؟ ما هو الطريق الصحيح للتعامل مع العمل غير المعلن؟ 
وفي الإعلام العلمي الشعبي وأيضا وسائل الإعلام المطبوعة، لم تتطرق هذه المناقشة إلى التفاصيل. وهنا يتأرجح الحكم على طبيعة اقتصاد الظل بين طرفين: إما أم يلُقى باللائمة في اقتصاد الظل على الكثير من المشكلات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية، مثل البطالة والدين العام المرتفع والركود، أو أنه يعتبر مساحة شرعية مجانية متواجدة في نظام اقتصادي يتسم.
جماعات الضغط
وغالبا ما تستخدم جماعات مصالح وضغط معينة تركز فقط على القضايا الأحادية القليلة التي تتعلق بالعمل الحرام، حجم اقتصاد الظل في تنفيذ أجنداتها. وفي العلوم الاجتماعية، تركز المقالات والدراسات البحثية التي تتناول اقتصاد الظل في الغالب على جانب واحد فقط يتمثل معظمه في الصعوبات والتحديات المتضمنة في قياس حجم هذا النوع من الاقتصاد. وعلاوة على ذلك، يكون الأساس الذي يقوم عليه تحليل أسباب وتداعيات اقتصاد الظل المتزايد، ضيقا للغاية، ولا يأخذ نتائج ورؤى العلوم الاجتماعية في الحسبان. ولذا فإن الاستعراض الشامل والتحليل الاجتماعية لهذه الظاهرة الاجتماعية المعقدة مسألتان ضروريتان. ومن ثم يعد هذا الكتاب محاولة لتقديم هذا التحليل وسد الفجوة.
أبعاد هامة
ويتركز البعد الأساسي في اقتصاد الظل على ثلاثة جوانب:
1- في السياسة الاقتصادية والاجتماعية: القوة الدافعة للتعامل مع الأعمال غير الشرعية هي الحقيقة التي مؤداها أن تلك الأنشطة غير الشرعية وشبه الشرعية غير مرغوب فيها بالنسبة للمؤسسات الرسمية. ويمكن النظر إلى اقتصاد الظل المتنامي على أنه ردة فعل من جانب الأفراد الذين يشعرون بأعباء ثقيلة تُقل الدولة بها كاهلهم، والذين يميلون إلى "خيار الخروج" بدلا من " خيار الصوت". فإذا ما كان نمو اقتصاد الظل سببه الزيادة في الضريبة العامة وأعباء الأمان الاجتماعي، فإن النتيجة الحتمية ستكون تراجع العائدات الضريبية نتيجة التهرب الضريبي وقواعد الأمان الاجتماعي، ما سيؤدي بدوره إلى تفاقم مستويات العجز في الموازنة.
2- في العلوم الاجتماعية: اقتصاد الظل أولا وقبل كل شيء يمثل تحديا للنظرية الاقتصادية والسياسة الاقتصادية. وفي العلوم الاقتصادية والاجتماعية، يجب إيجاد إجابات لأسئلة مثل: لماذا يعمل الناس بصورة غير شرعية؟ ما هي الآثار الناتجة عن هذا السلوك؟ وحاليا تتواجد مداخل نظرية في علوم اجتماعية مختلفة تركز على جوانب فردية لتلك الظاهرة المعقدة.
3- المهمة الأكثر صعوبة لباحثي السياسة الاقتصادية تتمثل في نقل النتائج المتعلقة بالتحليل العلمي إلى السياسيين، ثم بعد ذلك محاولة إقناعهم بأن تلك النتائج ذات صلة وصحيحة. وهنا، فإننا نحاول تقديم مقترحات بخصوص تدابير السياسة الاقتصادية والقائمة على تحليل العلاقات بين أسباب ومسببات اقتصاد الظل.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

استطلاع الرأي

الجهات الرقابية هل تقوم بدور فعال في ضبط أسعار المواد الغذائية بالمجمعات والمحال التجارية؟

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق