نقل وجهات نظر فلاسفة وشعراء وفنانين

الرأسمالية.. الأموال والأخلاقيات والأسواق

ويقوم النظام الرأسمالي على ملكية الأفراد لعناصر الإنتاج، ويعترف القانون بهذه الملكية ويحميها
المؤلف: جون بليندر ترجمة: ياسين محمد 16 يناير 2017 - 1:25

انتشلت الرأسمالية ملايين الأشخاص من مستنقع الفقر، لتحدث بذلك نقطة تحول في مستوياتهم المعيشية وتخلق لهم رفاهية ورغد العيش على نطاق واسع. ومع ذلك، لا يروق للكثيرين جدا هذا النظام. وتتنافس الأصوات من أجل تسليط الضوء على العيوب الموجودة في النظام الرأسمالي الذي يمكن النخب القوية من الحصول على حصة كبيرة جدا في ثرواتنا الجماعية.

وفي هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «الرأسمالية: الأموال والأخلاقيات والأسواق»، يسعى المؤلف جون بليندر، الصحفي في صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية لاستكشاف التناقضات والأخطاء الموجودة في هذه الآلية الديناميكية – وأيضا في مواقفنا إزاءها. ويوضح لنا بليندر هذا الاستحداث الاقتصادي- الرأسمالية- من وجهات نظر الفلاسفة والروائيين والشعراء والفنانين.
بداية فإن النظام الرأسمالي هو ذلك النظام الذي يقوم على الملكية الفردية لعناصر الإنتاج والحرية الاقتصادية للأفراد في إدارة وتيسير وممارسة النشاط الاقتصادي والتنافس فيما بينهم بهدف تحقيق المكسب المادي.
ويقوم النظام الرأسمالي على ملكية الأفراد لعناصر الإنتاج، ويعترف القانون بهذه الملكية ويحميها، فالمالك له مطلق الحرية في التصرف فيما يملك بالبيع وخلافه، وله الحق في استغلاله في أي مجال طالما لا يتعارض مع القانون. فيمكن أن يوظف هذا المالك أمواله وما لديه في النشاط الزراعي أو الصناعي أو يتركه عاطلاً، فهو له مطلق الحرية فيما يملك.
ومن أهم الوظائف التي يؤديها حق الملكية الخاص لعناصر الإنتاج أنه يوفر الباعث على الادخار، فمن يملك يستهلك جزءا مما يملكه ويدخر الباقي, وبذلك يكون هناك مدخرات لأغراض الاستثمار وزيادة الدخل، فبدون الباعث على الادخار الذي يتيحه نظام الملكية الفردية لا تتوافر الأموال التي توجّه إلى الاستثمار.

نظام مكسور
وناقش بليندر أيضا ما يُطلق عليه أخلاقيات الدين، ليكشف الحقيقة الخاصة بعمالقة الفنون المادية الذين كانوا روادا في حقوق التأليف، كما أنه يتتبع أيضا مسار اقتناعنا الفطري بأن رواد الأعمال ما هم سوى حفنة من الشخصيات الانتهازية الجشعة وغير الأخلاقية، في حين يتسم النشاط التصنيعي بالفضيلة فطريا.

ويؤكد المؤلف أن الرأسمالية نظام غير مكروه، موضحا أنه ومنذ انهيار مجموعة «ليمان براذرز» الاستثمارية الأمريكية في سبتمبر من العام 2008، أصبح من الشائع الإشارة إلى الرأسمالية على أنها نظام «مكسور». وذكر المؤلف أن شرعية هذا النظام أضحت مثار شكوك وبأكثر من أي وقت مضى منذ أزمة «وول ستريت» التي اندلعت شرارتها في العام 1929 وما أعقبها من أزمة «الكساد الكبير».
ووجد القليل من الأشخاص أنه من السهل التأقلم مع الطبيعة المتوترة لاقتصاد السوق الرأسمالي، بالتقلبات المستمرة التي يشهدها في الإنتاج والتوظيف، والتي تجيء مقترنة أيضا بالأزمات المالية المتكررة. ويساور الكثيرون مخاوف من الأساس الأخلاقي للرأسمالية والدور الذي يلعبه الحافز المادي في دفع عجلة النمو الاقتصادي.
ويشير المؤلف إلى أن الازدواجية تجاه كسب الأموال تسبق الرأسمالية بقرون. ولم ترتبط الأموال، عبر العصور المختلفة، بمشكلات تتعلق بالطباعة فقط، ولكنها أيضا زاحمت الدين في التسبب في حدوث انقسامات وخلافات بين البشر. 
ويعود المؤلف للحديث عن الركود الكبير الذي بدأ قبل انهيار «ليمان براذرز» بفترة وجيزة، قائلا إنه يعد أول أزمة حديثة لم يتواجد لها أي بديل نظامي للرأسمالية. ومنذ سقوط حائط برلين، كان السؤال الوحيد المطروح يتعلق بنطاق توجه السوق الرأسمالي. وما فعلته الأزمة حقا هو إثارة التساؤلات والبحث عن مزايا وعيوب النظام الرأسمالي.

مزايا الرأسمالية

ويشير مؤلف كتاب «الرأسمالية: الأموال والأخلاقيات والأسواق» إلى أن مزايا النظام الرأسمالي واضحة تماما، قائلا إن الرأسمالية التي أسهم فيها النظام القائم على السوق والذي تلقى فيه الملكية الخاصة بالصناعة والتجارة دعما من حقوق الملكية، في انتشال ملايين الأشخاص من دائرة الفقر.

ومنذ بداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، شهدت مستويات المعيشة في الغرب تحولا كبيرا. ومنذ أواسط القرن العشرين، فإن عمليتي التصنيع والتحضر اللتين كانتا العامل الأساسي في رفع معدلات النمو الاقتصادي، قد امتدتا إلى بلدان العالم النامي، وفي مقدمتها اليابان ثم النمور الآسيوية مثل كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وتايلاند وسنغافورة، يليها بلدان الأسواق الناشئة في العالم. وحيث إن تلك الدول قد مرت بثورة صناعية تلو الأخرى، فقد تسارع معدل النمو الاقتصادي بها إلى مستويات غير مسبوقة لم تتحقق حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية- مثل ما حدث في الصين على وجه الخصوص والتي وضع فيها الزعيم الشيوعي دنج شياو بين الركيزة الأساسية في مسار الرأسمالية البطيء نحو الاحترام عبر الإعلان عن المبدأ القائل: «الثراء شيء مجيد».
ونما الاقتصاد الصيني بنسبة 10% على أساس سنوي في المتوسط إبان التسعينيات من القرن الماضي ومن بداية الألفية الحالية وحتى الآن، في حين شهدت العقود الثلاثة الممتدة إلى العام 2010 زيادة بمعدل ثماني مرات في الناتج المحلي الإجمالي للفرد. ولا يعد معدل النمو هذا استثنائيا من حيث المعايير الآسيوية الحديثة، ولكن ما هو استثنائي هو النطاق الذي تم به خفض معدلات الفقر. فوفقا لمجموعة البنك الدولي، تراجع عدد الأشخاص الذين يعيشون على 1.25 دولار يوميا أو أقل، بعد تعديل القوة الشرائية للدولار في بلدان مختلفة، من 52% في العام 1981 إلى 21% في العام 2010، ما يمثل تحولا غير مسبوق في مستويات المعيشة في التاريخ الإنساني. وبالرغم من أن العولمة تضمن أن الدول المتقدمة والنامية تعتمد على بعضها بصورة متزايدة، يتحول ميزان القوة الاقتصادية نحو الدول النامية.

عدم المساواة

وذكر المؤلف أن واحدة من القضايا المثيرة للاستياء من نظام الرأسمالية تتعلق بأساسها الأخلاقي، موضحا أن مركزية الحافز المادي في دفع اقتصاد السوق، يمثل مصدر قلق منذ فترة طويلة. وفي أعقاب الأزمة المالية، برز هذا القلق في تنامي مستويات عدم المساواة في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء. ولعل إحدى النقاط المهمة التي تطرح نفسها هنا هي رواتب ومدفوعات أعضاء مجالس الإدارات. ويمكن أن يرى القليل من الأشخاص أن ثمة تبريرا لهذه المسألة، سواء أكان اقتصاديا أم أخلاقيا، بالنسبة لاتساع الهوة بين رواتب ومكافآت أعضاء مجالس الإدارة وبين مثيلتها الخاصة بالعمال والموظفين، وهو الأمر الذي أشعل فتيل الاحتجاجات التي قامت بها حركة «احتلوا وول ستريت»، وغيرها من الاحتجاجات المشابهة حول العالم والتي جذبت نفس التعاطف، في العام 2011-2012.

ولفت المؤلف إلى أنه في الوقت الذي تراجعت فيه ظاهرة عدم المساواة في العالم، نجد أنها قد ارتفعت في العديد من الدول المتقدمة، ويعز هذا في جزء منه إلى نمو أجور ورواتب أعضاء مجالس الإدارات والمسؤولين التنفيذيين.
ويحاول كتاب «الرأسمالية: الأموال والأخلاقيات والأسواق» استكشاف عوامل السخط من النظام الرأسمالي في سياق تاريخي عبر النظر إلى كثير من المناقشات المهمة المتعلقة بالأموال والشركات والأسواق ليس فقط من وجهة نظر الخبراء الاقتصاديين والمتخصصين في عالم الأعمال، ولكن أيضا من منظور الفلاسفة والسياسيين والروائيين والشعراء والفنانين، وغيرهم.

 

فيديو

فيسبوك

تويتر

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق