دروس مستفادة من سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس

صعود وسقوط الاقتصادات الحضرية

ناجي مكارم
ترجمة: يوسف محمد 06 فبراير 2017 - 2:55

تعد منطقة خليج سان فرانسيسكو مركزا لاقتصاد المعرفة الناجح في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين تتهاوى مدينة لوس أنجلوس وبصفة مستمرة قياسا بجارتها الشمالية سان فرانسيسكو وغيرها من المدن الحضرية الأخرى. 
ومع ذلك، وفي العام 1970، توقع خبراء أن تتفوق لوس أنجلوس على سان فرانسيسكو في عدد السكان والدخل والتأثير الاقتصادي، والعوامل العادية المستخدمة في تفسير النمو الحضري- الحظ والهجرة والسياسات الاقتصادية المحلية وكذا العمالة الماهرة- لا تمثل التناقض بين المدينتين ومصائرها.. فلماذا؟
يتحدى كتاب «صعود وسقوط الاقتصادات الحضرية.. دروس مستفادة من سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس» الكثير من المفاهيم والتصورات التقليدية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية، ويسلط الضوء على العمالة بهما. 
يقول مؤلفو الكتاب: مايكل ستوربر- توماس كيميني- ناجي مكارم إنه من الضروري فهم التداخل بين العناصر الثلاثة الرئيسية- التخصص الاقتصادي وتكوين رأس المال البشري والعوامل المؤسسية- بهدف تحديد مدى قدرة أي اقتصاد إقليمي على مواكبة الفرص والتحديات الجديدة.
وأوضح مؤلفو الكتاب الذين اعتمدوا في طرح أفكارهم على علوم الاقتصاد والاجتماع والعلوم السياسية والجغرافيا، أن التنمية الاقتصادية للمناطق الحضرية تعتمد بصفة رئيسية على القدرات والإمكانات التي ظلت لفترات طويلة غير مكتشفة، في إجراء التغيير التنظيمي في الشركات وشبكات الأشخاص وشبكات القادة.
وينطوي الاقتصاد الحضري على دراسة اقتصادية على نطاق واسع في المناطق الحضرية، وهو يشتمل على استخدام أدوات الاقتصاد لتحليل القضايا الحضرية مثل الجريمة والتعليم والنقل العام، والإسكان، وتمويل الحكومة المحلية. 
والاقتصاد الحضري هو فرع من فروع الاقتصاد الجزئي التي تدرس الهيكل المكاني والموقع من الأسر والشركات، ويركز فرع الاقتصاد الحضري على تعزيز الإستراتيجيات والسياسات الحضرية التي تقوي من قدرة المدن على أن تصير محركات للتنمية الاقتصادية وأماكن لتوفير الثروة وفرص العمل.
ويُعطي الاقتصاد الحضري اهتماما خاصا لصياغة وتنفيذ الإستراتيجيات والسياسات الحضرية والتي سوف تعزز من المالية البلدية والإيرادات الضريبية فضلا عن المساهمة في خلق فرص عمل من شأنها التحسين من مستويات المعيشة للجميع لتؤدي إلى التمكين الاقتصادي للشباب والنساء على وجه الخصوص.
وعبر دراسة مدينتي سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس بمستويات عميقة غير مسبوقة، يستخلص هذا الكتاب دروسا يمكن الانتفاع بها في مجال دراسات التنمية الاقتصادية والمناطق الحضرية حول العالم.
وأشار الكتاب إلى أنه وللمرة الأولى في التاريخ البشري، يعيش أكثر من نصف سكان العالم في المناطق الحضرية، موضحا أن 85 مليون شخص يهاجرون سنويا إلى المدن في دول العالم، معظمهم في الدول النامية. وتضم المناطق الحضرية الست الأشد ازدحاما، قرابة خُمس سكان العالم، كما أنها تمثل حوالي نصف الناتج الاقتصادي، وسترتفع هذه النسب إلى رُبع السكان وأكثر من 60% من الناتج الاقتصادي في السنوات الـ15 المقبلة (ماكينزي، 2011). 
وبالفعل فإن تركز الناتج الاقتصادي في المدن لافت للنظر، فـ23 منطقة-مدينة كبرى (يعيش فيها10 ملايين شخص أو يزيد) تنتج قرابة رُبع الناتج الاقتصادي العالمي، ولا يُعزى هذا فقط إلى وتيرة التحضر السريعة في العالم النامي، فـ90% من النمو الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1978 قد جاءت من 254 مدينة كبيرة، في حين تحقق 50% من النمو الاقتصادي من أكبر 30 منطقة حضرية، وتتركز زهاء نصف فرص التوظيف تقريبا في 1.5% من مساحة الولايات المتحدة.
مستويات مختلفة
ورغم تسارع وتيرة النمو الحضري، تستمر المدن في تسجيل مستويات مختلفة جدا للتنمية الاقتصادية، فبداخل الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تسجل مناطق حضرية كبيرة (يعيش فيها أكثر من مليون شخص) متوسط دخول بالنسبة للفرد ترتفع بنسبة 40% عن مثيلتها في باقي المناطق بالبلاد. وعلى نطاق عالمي، يكسب المواطنون في المدن الكبرى دخولا تزيد أربع مرات تقريبا عن المتوسط العالمي، وتتراوح الدخول في المناطق الحضرية الكبيرة من حوالي ألفي دولار سنويا في القاهرة إلى نحو 75 ألف دولار في المدن الكبيرة مثل سان فرانسيسكو وأوسلو وهارتفورد وكونيكتيكت. 
وأخيرا تظل الفروق المهمة في مستويات الدخول بين المناطق الحضرية داخل الدول، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، تستقر الدخول بالنسبة للفرد في مدينة براون سفلي بولاية تكساس عند 23 ألف دولار سنويا، قياسا بحوالي 75 ألف دولار في منطقة خليج سان فرانسيسكو أو واشنطن دي سي، أو بما يعادل حوالي 1 إلى 3.

ثم ينتقل الكتاب إلى تسليط الضوء على نقطة أخرى مهمة، قائلا: إن الاقتصادات تمتلك قوى تسمح أحيانا لمستويات التنمية أن تصبح متشابهة، وقوى أخرى أحيانا تتسبب في تمزقها. وتقاربت مستويات الدخول في الولايات المتحدة خلال الفترة من العام 1880 وحتى 1980، لكن هذا التقارب توقف في العام 1980 تقريبا. 
تباين الدخول
وعلى مدار القرن الماضي، تأرجحت مستويات الدخول في المدن والمناطق الأمريكية صعودا وهبوطا، بدرجة أعلى مما هو عليه الحال في الولايات. وعلاوة على ذلك، فقد توقف أيضا التقارب في مستويات الدخول بالنسبة للفرد بين المدن والمناطق الحضرية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي (موريتي، 2013، درينان ولوبو، 1999، ياماموتو، 2007).
وقد تغيرت أنماط الاختلافات في الدخول بين الدول والمدن بمضي الوقت. فبالنسبة للدول، يشير المؤرخون الاقتصاديون إلى التباعد الكبير، فالصين كانت الدولة الأغنى في العالم في العام 1942، وكان بها أعلى دخل للفرد، قياسا بكل من إسبانيا أو بريطانيا في العام 1750، واستمرت الصين خلال القرنين ونصف التاليين خلف الدول الغربية قبل معاودتها الصعود مجددا على سلم الدخل في السنوات الأخيرة (بوميرانز، 2000، أو رورك وويليامسون، 1999). ويلفت الكتاب هنا إلى «تباعد كبير» جديد في التنمية بين المدن- المناطق داخل الدول (موريتي، 2012)، ويعني هذا أنه ورغم أنه سيكون من الضروري تعزيز واستدامة التحضر كعامل أساسي لتحقيق الرخاء والازدهار في القرن الحادي والعشرين، فإن التحضر وحده لن يضمن تحقيق الرخاء لكل المناطق والمدن. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كانت مدينة ديترويت تحتل المرتبة السادسة في قائمة أغنى المناطق الحضرية في العام 1970، لكنها الآن تراجعت إلى المركز الـ52 على القائمة، وقد أصبحت مدينة بوسطن حاليا واحدة من أكبر خمس مناطق حضرية في مستويات الدخول، لكنها مرت بفترات صعود وهبوط كثيرة في تاريخها الذي يمتد لأربعة قرون.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

استطلاع الرأي

الجهات الرقابية هل تقوم بدور فعال في ضبط أسعار المواد الغذائية بالمجمعات والمحال التجارية؟

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق