التاريخ والسياسة لعبا دورا مهما في توسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء

الطبقة المتوسطة المختفية.. الإجحاف والسلطة في الاقتصاد المزدوج

وزادت المدخرات مع نمو الأرباح والإيجارات في القطاع الرأسمالي
المؤلف: بيتر تيمين - ترجمة: ياسين محمد 01 يوليو 2017 - 0:20

-التقدم الاقتصادي يختلف من دولة لأخرى وفقا للمعايير والمتغيرات السائدة في كل منها
-التباين "الشديد" في الدخل والثروة يضع الحلم الأمريكي الذي يراود شباب العالم أمام تحد كبير 
-عدد من يعيشون تحت خط الفقر بلغ 16% من المجتمع الأمريكي خلال عام 2012

تصبح الولايات المتحدة الأمريكية دولة الأغنياء والفقراء، مع قلة أعداد المواطنين المنتسبين للطبقة المتوسطة، هذا ما يقدمه بيتر تيمين، الخبير الاقتصادي المعروف في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث ينظر بطريقة توضيحية سلسة إلى الطبقة المتوسطة المتآكلة.
ويقول تيمين إن التاريخ والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيّما العبودية والتداعيات المصاحبة لها، قد لعبا دورا مهما جدا في توسيع الهوة بين الأغنياء والفقراء. 
ويستخدم تيمين نموذجا معروفا وبسيطا للاقتصاد المزدوج من أجل فحص ديناميكيات الفجوة المتسعة جدا بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الأمريكي، ويبين للقراء طرقا مختلفة للعمل على تحقيق أكبر قدر من المساواة حتى لا تستمر أمريكا في امتلاك اقتصاد للأغنياء وآخر للفقراء.
ويعيش الكثير من الأمريكيين في ظروف تشبه تلك الموجودة في البلدان النامية- التعليم دون المستوى والإسكان المتردي، وفرص التوظيف المستقرة القليلة، ورغم أن نصف الأمريكيين من ذوي البشرة السمراء فقراء، فإن معظم الفقراء في الولايات المتحدة ليسوا من ذوي البشرة السمراء.
التودد للفقراء
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن السياسيين الأمريكيين من ذوي البشرة البيضاء لا يزالون يتوددون إلى الناخبين الفقراء من ذوي البشرة البيضاء للحصول على دعمهم فيما يتعلق بالسياسات التي تضر الأشخاص من ذوي الدخول المنخفضة بوجه عام، واصفين الأشخاص الذين يتلقون برامج اجتماعية بـاللاتينيين السود الذين "ليسوا أمثالنا". 
ويستخدم السياسيون أيضا الحبس الجماعي كأداة لإبعاد الأمريكيين السود واللاتينيين من المشاركة الكاملة في المجتمع، فالأموال يتم توجيهها لبناء منظومة سجن كبيرة بدلا من تعزيز نظام التعليم. وفي منظومة العدالة المزدوجة، يدفع الأغنياء الغرامة ويذهب الفقراء إلى السجن.
وينتقل مؤلف كتاب "الطبقة المتوسطة المختفية.. الإجحاف والسلطة في الاقتصاد المزدوج" إلى شرح الاقتصاد المزدوج، قائلا إن الطبقة المتوسطة الأمريكية تتلاشى بالفعل، وهو ما يتجلى بوضوح في نصيب تلك الطبقة في إجمالي الدخل والذي انخفض بنسبة 30% في 44 عاما. 
ويوضح المؤلف أن هذا يعد تغيرا كبيرا تشهده الولايات المتحدة الأمريكية، مضيفا أن هذا التغيير "كنا نحتاجه بالفعل من أجل فهم كيفية التكيف مع التغيير، فيتعين علينا أن نمعن النظر في هذا التغيير لكي نستوعب ماذا سيحدث، وما هي الأشياء التي يمكننا أن نتوقع حدوثها في المستقبل القريب".
بداية التغيير
ورصد المؤلف التغيير الذي بدأ يطرأ على الطبقة المتوسطة في أمريكا منذ عام 1970، مشيرًا إلى أن الأجور والرواتب الحقيقية في هذا التوقيت قد توقفت تماما عن النمو، وأن الرواتب قد سجلت نموا مع باقي شرائح المجتمع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ استمرت معدلات الإنتاج الوطنية في النمو بعد عام 1970، لكن لم ينطبق الشيء ذاته على الرواتب والأجور، فقد كانت الرواتب والأجور غير متصلة نوعا ما بما نعتبره نموا اقتصاديا. 
ويقول مؤلف الكتاب إن عدم الاتصال هذا قد تمت ملاحظته على نطاق واسع من جانب الكثيرين من الشخصيات العامة، أمثال جون إدواردز، المرشح الرئاسي السابق الذي علق بقوله: "لا ينبغي أن يكون لدينا اقتصادان مختلفان في الولايات المتحدة: اقتصاد للأشخاص المقبلين على الحياة بصدر رحب، والذي يعلمون أن أبناءهم وأحفادهم سيكبرون وسيجدون ما يضمن لهم حياة كريمة. واقتصاد آخر لمعظم الأمريكيين الذين ينتظرون رواتبهم بصفة دورية لسد احتياجاتهم الأساسية في الحياة".
واستشهد مؤلف الكتاب بـ"دبليو. أرثر لويس" الأستاذ بجامعة مانشستر في إنجلترا والذي وضع نظرية شاملة حول التنمية الاقتصادية في دراسة بحثية نشرت في عام 1954. وذكر لويس أن التنمية الاقتصادية لم تشهد تقدما في الدول بصفة فردية، ولكن تقدمت بواسطة أفراد أو مؤسسات في تلك الدول. وأكد لويس أن التقدم الاقتصادي في الدول لم يأخذ شكلا موحدا، ولكن يختلف من دولة لأخرى وفقا للمعايير والمتغيرات السائدة في كل منها. 
وافترض لويس أن الدول النامية غالبا ما يكون لديها ما بات يُعرف بـ"الاقتصاد المزدوج"، مشيرًا إلى نوعين من القطاعات: "الرأسمالي" و"الكفاف". أما القطاع الرأسمالي فقد كان مركزا للإنتاج الحديث الذي يستخدم كلا من رأس المال والعمالة. وكان تطور هذا القطاع مقيدا بحجم رأس المال في الاقتصاد. أما النوع الآخر من القطاعات "الكفاف" فكان يتألف من المزارعين الفقراء الذين كانوا يشكلون شريحة عريضة جدا نسبة إلى مساحة الأراضي والموارد الطبيعية المتاحة، لكن نموذج لويس لم يكن قابلا للتطبيق على كل دولة لديها منطقة صناعية، ولكن فقط على الدول التي يتسم باقي الاقتصاد بها بوفرة العمال.
ديناميكيات الاقتصاد المزدوج
وجاءت ديناميكيات هذا الاقتصاد المزدوج، والكلام لا يزال لـ"لويس"، من نمو القطاع الرأسمالي، فرأس المال في البداية كان نادرا، وكان الادخار في البداية منخفضا أيضا نظرا لأن عمال الكفاف يستهلكون كل أو تقريبا الجانب الأكبر من دخولهم.

وزادت المدخرات مع نمو الأرباح والإيجارات في القطاع الرأسمالي، وقد أدت إعادة ضخ استثمارات الأرباح لشراء أو بناء مزيد من رؤوس الأموال إلى نمو القطاع الرأسمالي.
إذًا فنظرية التغيرات الهيكلية ترتكز على الآلية التي بواساطتها تستطيع الاقتصادات المتخلفة نقل هياكلها الاقتصادية الداخلية من هياكل تعتمد بشدة على الزراعة التقليدية عند مستوى الكفاف إلى اقتصاد أكثر تقدمًا، وأكثر تحضرًا، وأكثر تنوعًا صناعيًّا في مجال الصناعات التحويلية والخدمات، إذ تستخدم هذه النظرية أدوات النظرية الكلاسيكية المحدثة لوصف الكيفية التي على وَفقها تتخذ عملية التحول موقعها، والتغيرات الهيكلية هي التغيرات التي تطرأ بين الأجزاء والكل، وبين الأجزاء بعضها مع البعض الآخر من خلال عملية النمو، أي هو التغير في الأهمية النسبية للقطاعات الاقتصادية، سواء من حيث مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي أو مدى مساهمتها في استيعاب الأيدي العاملة، أو التغير في نسبة التجارة الخارجية، إذ إن التغيرات طويلة الأجل ليست في حقيقتها سوى نتائج تراكمية لتغيرات متتالية قصيرة الأجل.
الحلم المهدد
لطالما نظر الكثيرون إلى الولايات المتحدة على أنها "أرض الفرص" وتشبثوا بالحلم الأمريكي الذي يحقق الرفاهية وإمكانية الارتقاء الاجتماعي لكل من يعمل بجد. لكن التباين "الشديد" في الدخل والثروة الذي تشهده البلاد منذ بضعة سنين أصبح يضع الحلم الأمريكي أمام تحد كبير.
فوفقا لآخر تقرير أصدره مكتب التعداد الأمريكي، فإن عدد من يعيشون تحت عتبة الفقر قد بلغ في الولايات المتحدة 49.7 مليون شخص سنة 2012، أي ما يعادل 16% من المجتمع الأمريكي.
وضمن هذه الفئة، تعاني أكثر من 10 ملايين عائلة عاملة من ذوي الدخل المحدود لتلبية حاجياتها الأساسية، وهو ما يعني أسرة من أصل ثلاث أسر أمريكية.
واتسعت الهوة بين 1% من الأمريكيين الأكثر ثراء وباقي الشعب لتصل إلى مستوى غير مسبوق منذ سنة 1928، استنادا إلى دراسة أعدها الخبير إيمانويل سايز من جامعة كاليفورنيا. وكشفت الدراسة أنه في الفترة الممتدة ما بين 2009 و2012، استحوذت شريحة الأغنياء التي يتجاوز دخلها السنوي 394.000 دولار في السنة، على 95% من مجموع دخل العائلات في البلاد.
ورغم الأزمة المالية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، ازدادت دخول هذه الفئة بـ31.4% في الوقت الذي لم تنم فيه دخول الـ99% من باقي الشعب الأمريكي سوى بـ0.4% في أحسن الأحوال.
 

فيديو

فيسبوك

تويتر

استطلاع الرأي

هل بذلت "البلدية" و"أشغال" جهودا كافية لمواجهة آثار الأمطار؟

عن لوسيل

تسعى جريدة "لوسيل" إلى تقديم خدمة صحفية ترتقي إلى المستويات العالمية المتعارف عليها في مؤسسات النشر، وتحقق للقارئ الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة....

تابعنا

اشترك في نشرة الموقع اليومية
© جميع الحقوق محفوظة لدار الشرق